فيينا / الأثنين 22. 12 . 2025
وكالة السيمر الاخبارية
خالد جواد شبيل
نشرت في مدونتي الفيسبوكية مقالة عن السيد المسيح لمناسبة قرب حلول مولده، ضمنتها مفاهيمَ وأراء عن لاهوت التحرير، وقد وردتني بعض الأسئلة عن هذا المبدأ المسيحي، وأهمها: لماذا لا يوجد لاهوت تحرير إسلامي؟ وللإجابة على هذا السؤال الشائك لا بد من الوقوف على مفهوم “لاهوت التحرير” ومنشئه ونشأته وتبلوره وروّاده.. ليتيح لنا الجواب على السؤال ..
لاهوت التحرير هو موجة أو تيار ديني مسيحي كاثوليكي في عمومه نشأ في ستينيات القرن المنصرم تعيد النظر في فهم النصوص، منطلقها إن الإيمان بالله وحده غير كافٍ بل يبقى ناقصاً مالم يجعل قضيته الجوهرية هي الإنسان الفقير المظلوم المهمش، وإن الخلاص لايكون “آخروياً” بل “دنيوياً” وهو الأهم للانعتاق من الظلم والفقر والتهميش.
ولا شك أن السياق التأريخي لظهوره لا يأتي من فراغ إنما من قساوة الواقع وضحاياه في أمريكا اللاتينية والمتمثل بـفقر مدقع لعموم أمريكا اللاتينية؛ في ظل أنظمة عسكرية ديكتاتورية، وهيمنة أمريكية، وتبعية كنسية متحالفة مع السلطات الحاكمة ومسيِّريها..
وأهم مفكري ورموز هذا المفهوم:
غوستافو غوتييريز (1928 – 2024) بيرو، درس في فرنسا في الجامعات اللاهوتية وألف كتابه الشهير ” لاهوت التحرير” عام 1971، فهو إذن الأب الشرعي والمنظِّر والذي تضمن قولته الهامة ” الفقر ليس قضاءً وقدراً، بل هو نتيجة لنظام ظالم، ومقاومته واجب ديني”.
ليوناردو بوف (1938- ….) البرازيل، نقد سلطة الكنيسة وقاومها وأكد على تحرير الإنسان شرط لتحريره من سطوة الكنيسة.
أوسكار روميرو (1917 – 1980) السلفادور، وقف بشجاعة ضد المتسلطين الكنسيين ودفع حياته ثمناً لموقفه وثباته على مبدئه، حيث اغتيل عام 1980.
تتمحور الأفكار الرئيسة للاهوت التحرير على:-
- الله منحاز أخلاقيا للفقراء والمهمشين.
- القراءة التأويلية للكتاب المقدس لصالح: الفلاحون والعمال والمهمشون.
- الخلاص: ولا يكون إلا بالتحرير الشامل – لا على الغفران فقط- وإنما على: الكرامة؛ والعدالة ؛ والخبز ؛ والحرية.
لقد انتشرت هذه المفاهيم “الراديكالية” لا في أمريكا اللاتينية والعالم خاصة المسيحي بل وشتى الأديان رغم الرفض الشديد من قبل الكنيسة والفاتيكان تحديداً في أول الأمر باعتباره تسييس للدين ومحاربة رموزه الى حد الاغتيال! بيد أن بعض التغيير الحذر حصل من بابا الفاتيكان يوحنا بولص الثاني (ت2005) وبابا الفاتيكان المتنور فرنسيس (ت في 21 أبريل 2025) الذي تعاطف علنا وبشكل واضح الى الحد الذي أصبح هناك اعتراف بأن المسيحية ذات جوهر أصيل منحاز للفقراء .
ملامح “لاهوت التحرير” في الإسلام: في القرآن هناك بعض الآيات على سبيل المثال:
“وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ”5سورة القصص.
وكذلك، ” وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُوم ٌ * لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُوم 24-25/المعارج.
وفي أحاديث الرسول هناك ميل للفقراء كالرفق بأهل الصفة، والعبيد والمهمشين. أما في سيرة علي بن أبي طالب وخطبه وزهده فقد أعلنها بـ “يادنيا غُرّي غيري“.. والسؤال الذي يطرح نفسه هو: لماذا لم يتبلور مفهوم لاهوت التحرير الإسلامي؟
في الإسلام لاتوجد مؤسسة تحمل اللاهوت منفصلة عن السلطة، بل هناك علم الكلام والفقه وأصول الفقه. وكل المؤسسات مثل الأزهر والحوزات هي تتأثر بالسلطة السياسية والدينية وأحيانا تنعدم أو تتقلص الفوارق كما هو شأن الأزهر والمرجعيات سواء كانت سنية أو شيعية.. كما وأحيانا يصبح تحالفأ حتى مع المستعمر المحتل!! وأحياناً أخرى تنفرد المؤسسة الدينية بفتاوى حاسمة كما في فتوى محسن الحكيم ضد قانون الأحوال المدنية في زمن الزعيم عبد الكريم قاسم وأطلاق فتاوى خطيرة تلعب دوراً في تصدع البنية المجتمعية كما في تحريم الشيوعية أو الشيوعية كفر وإلحاد! بل هناك أحداث حصلت في تاريخ العراق بقتل وتهجير الكرد، والقتل الجماعي إبان انقلاب 8 شباط عام 63 الدموي.. أو في عهد صدام من مجازر جماعية فلم تتدخل المرجعيات!! بل هناك من رجال الدين من برر القمع وسفك الدماء!! بل ممارسة اساليب القتل طالت المراجع الكبار في زمن الطاغية صدام كما في قتل السيد محمد باقر الصدروشقيقته واعدام العشرات من آل الحكيم مع صمت مطبق من قبل رجال الدين!
ولأجل أن يتبلور لاهوت التحرير الإسلامي لا بدّ من النضال من أجل فصل الدين عن السلطة ولابد من خطاب أخلاقي علمي بدل من الخطاب الديني السائد الذي يتسم بالتبرير والسكوت عن مظالم الفقراء والمهمشين.. أن جعل مفهوم السرقة أياً كان حجمها ومسوغاتها مدان أخلاقيا لأنه لا يتماشى من مسؤولية الضمير ومصادرة أموال الآخر لأنها تتعارض مع ضمير الإنسان بغض النظر عن كونها حلال أو حرام لا ينبغي لها أن تمرر دون عقاب؛ كما أن من أسباب التقديس الأعمى للدين هو جعل كل الممارسات الطقوسية من الدين حتى ولو كانت لا تتمشى مع القيم الإنسانية العصرية ناهيك من كونها تقسم المجتمع الى طوائف تزرع البغضاء والكراهية! ناهيك عن جعل العلوم العصرية هي المرجعية الأساسية في الاقتصاد والسياسة ومجمل العلوم الأخرى، كما أن ممارسة العبادات لا بد أن تكون في أماكنها المقدسة التي تضمنها حرية العبادات وتصونها مؤسسات الدولة..
إن الاسلام السياسي الحاكم قد أضرّ أيما ضرر بالروح الوطنية وتسبب الفساد والنهب بأضرار اقتصادية مروعة في ظل اقتصاد ريعي يعتمد على النفط المنهوب وتدخل دول الجوار، وكذلك الأضرار التي لحقت بالتعليم والصحة والرياضة، وانخفاض في مستوى الثقافة والمواكبة العلمية رغم التحسن في النشاطات الجماهيرية .. ناهيك عن انخفاض دخل قطاع واسع من الشعب من أصحاب الدخل المحدود ولاسيما المتقاعدون،،
يحتاج لاهوت التحرير الاسلامي الى فهم جديد يتجاوز الطائفية ويدعو الى إعمال العقل وتجديد الخطاب الديني وخاصة لدى خطباء المنابر الذي يشيعون أنواعاً عجيبة من الخرافات، وتحويل الدين باسم القداسة الى طقوس يومية أو موسمية، ما ساهم هو الآخر الى تفشي الخرافات والاضاليل.. وتناول التاريخ بسطحية تعمق الخلافات بين شتى المعتقدات!
إن ترسيخ قيم المساواة والعدل والحرية وصون كرامة الإنسان بات أمراً ضروريا .. ولا بد من تثمين ملامح الفكر الحي التنويري لدى كثير من المفكرين الإسلاميين أمثال د.علي شريعتي والمفكر الحر مالك بن نبي والمفكر المتنور محمد اقبال وحسن حنفي وغيرهم من الذين عملو باخلاص وجهد خلاق في سبيل التأسيس لفكر لاهوتي حر!
وباختصار لابد من تثمين روح البحث العلمي وحق تأويل النصوص بشجاعة وتنقيتها من مخلفات التاريخ وزواياه المعتمة؛ فلا بد من روح البحث العلمي وجعل الأولوية لعقل الإنسان على سلطة الشعار!
22/12/2025
وفق حرية الرأي والنشر يتم نشر هذه المادة والجريدة غير مسؤولة عما ينشر فيها من مواد واخبار ومقالات
السيمر موقع عراقي مستقل