فيينا / الثلاثاء 23. 12 . 2025
وكالة السيمر الاخبارية
بعد يوم واحد من إعلان قوى الإطار التنسيقي تأييدها العلني لحصر السلاح بيد الدولة، وفي وقت كانت فيه فصائل بارزة مثل عصائب أهل الحق وأجزاء أساسية من قوى الإطار نفسها قد تراجعت عمليًا عن تسليم السلاح أو علّقت خطوات التنفيذ، انتقل الخطاب السياسي خطوة إلى الأمام مع الكشف عن ملامح ما وصف بـ”الخطة الثلاثية” لإدارة هذا الملف الشائك.
فالإطار يتحدث اليوم عن مسار منظم لإعادة ترتيب السلاح خارج المؤسسات الرسمية، فيما يبقى الجدل الداخلي قائمًا حول قدرة القوى المشاركة في السلطة على حسم ملف يرتبط مباشرة بطبيعة نفوذها وأدوات قوتها على الأرض، وحول ما إذا كان هذا المسار يمثل بداية معالجة جدية لعقدة السلاح أم محاولة جديدة لإدارة الأزمة تحت سقف التوازنات القائمة.
عضو الإطار التنسيقي، عُدي عبد الهادي، كشف عمّا وصفه بـ”الخطة الثلاثية” لإعادة ترتيب ملف حصر السلاح بيد مؤسسات الدولة خلال الفترة المقبلة. وقال عبد الهادي في حديث لـ”بغداد اليوم”، إن “دعم قوى الإطار التنسيقي لمفهوم حصر السلاح بيد مؤسسات الدولة ليس قرارًا وليد اللحظة، بل يأتي ضمن رؤية إستراتيجية تهدف إلى تعزيز بناء مؤسسات الدولة وضمان مستويات أعلى من الأمن والاستقرار”، مبيّنًا أنّ “البيانات الصادرة عن أقطاب بارزين في الإطار تمثّل تأكيدًا واضحًا على دعم مشروع الدولة وحصر السلاح بيد مؤسساتها الرسمية”.
وبيّن أنّ “عملية حصر السلاح ستتم عبر ثلاث مراحل، تبدأ بتحديد الجهات والفصائل المشمولة بالآلية، ثم إعادة ترتيب الأوراق بما يضمن انسيابية التنفيذ ومرونته وفق سياقات ثابتة ومدروسة”، لافتًا إلى أنّ “هذا الملف لا يمكن حسمه بين ليلة وضحاها، إلّا أنّ المبدأ العام بات واضحًا، وهو أنّ الجميع سيكون تحت مظلّة مؤسسات الدولة”. وأكّد أنّ “هناك تفاعلًا وتفاهمًا من أغلب الفصائل مع هذا التوجّه”، محذّرًا في الوقت ذاته ممّا وصفها بـ”الأقلام السوداء” التي تحاول خلط الأوراق وإثارة الفوضى في الفضاء الإلكتروني بشأن آلية حصر السلاح.
وأشار عبد الهادي إلى أنّ “الحشد الشعبي يُعد جزءًا من المؤسسة الأمنية الرسمية، وهو ضمن التشكيلات الأمنية المعترف بها”، موضحًا أنّ “محاولات زجّ اسمه في ملف حصر السلاح تأتي ضمن أجندات معروفة تسعى للنيل من أمن واستقرار البلاد”. وختم بالقول إنّ “عملية حصر السلاح لن تشهد أي إشكالات، في ظلّ تفهّم الجميع لطبيعة المرحلة الحالية وضرورة حصر السلاح بيد الدولة حصرًا”.
بين خطاب “مشروع الدولة” وتعقيدات الواقع على الأرض
الخطاب الذي يقدّمه الإطار التنسيقي، عبر عُدي عبد الهادي وغيره من القيادات، يركّز على أنّ تبنّي مبدأ حصر السلاح بيد الدولة هو جزء من “مشروع الدولة” وليس تنازلًا تحت الضغط. إلّا أنّ هذا الخطاب يصطدم على الأرض بمجموعة من الحقائق المعروفة داخل المشهد السياسي؛ فالإطار نفسه يضمّ قوى تمتلك أجنحة مسلّحة، وبعضها شارك بشكل مباشر في عمليات عسكرية خارج الحدود أو في اشتباكات داخلية، فضلًا عن نفوذ سلاحه في ملفات السياسة والاقتصاد والانتخابات.
هذا التداخل بين “الحزب” و”السلاح” يجعل أي حديث عن خطة ثلاثية لحصر السلاح موضوعًا حسّاسًا داخل البيت الواحد. فالتطبيق الصارم لمبدأ “الجميع تحت مظلّة الدولة” يعني، نظريًا، أنّ أطرافًا داخل الإطار ستجد نفسها مطالَبة بإعادة تعريف علاقتها بسلاحها، وبموقع هذا السلاح داخل منظومة الأمن الرسمية. وهنا تبرز العقدة السياسية الداخلية: إلى أي حدّ يمكن لقوى تشكّل جزءًا من السلطة، وترتكز في جزء من قوّتها على السلاح، أن تقود بنفسها مسارًا يفضي إلى تقييد هذا السلاح أو إعادة دمجه في مؤسسات الدولة بشروط واضحة؟
الحشد الشعبي بين النصّ القانوني والجدل السياسي
إشارة عبد الهادي إلى أنّ “الحشد الشعبي جزء من المؤسسة الأمنية الرسمية” تعيد فتح النقاش الدائم حول موقع الحشد في معادلة حصر السلاح. قانونيًا، الحشد مؤسسة تابعة للقائد العام للقوّات المسلحة، ورواتب مقاتليه وقياداته تُدفع من الموازنة، وله تمثيل رسمي على مستوى القيادة والتسليح. لكن سياسيًا، ما يزال الحشد يُستحضر في أي نقاش متعلّق بالفصائل، سواء في بيانات داخلية أو في تقارير خارجية، بوصفه مظلّة أو غطاء لوجود تشكيلات أخرى تتفاوت درجة ارتباطها بالمؤسسة الرسمية.
الإصرار على فصل الحشد عن ملف “السلاح خارج الدولة” يعكس رغبة من الإطار في حماية إحدى ركائز نفوذه الأمني والسياسي، لكنّه في الوقت نفسه يسلّط الضوء على المعضلة الحقيقية: كيف يمكن إقناع الشارع والقوى المنافسة، فضلًا عن الشركاء الخارجيين، بأنّ عملية الحصر شاملة وعادلة، في حين يُستثنى منها فعليًا جزء من البنية المسلّحة ولو كان متداخلًا مع هذه الفصائل في القيادة والمرجعية والميدان؟ هذا التباين بين النصّ القانوني والقراءة السياسية يبقى أحد أهم مصادر الشكّ والتجاذب حين يُطرح ملف السلاح.
من يملك قرار التنفيذ.. الدولة أم توازنات القوى؟
عندما يتحدّث الإطار عن مراحل ثلاث لحصر السلاح، يبدو السؤال الجوهري داخليًا: من هي الجهة التي ستضع حدود هذه المراحل وتراقب تنفيذها؟ هل هو قرار حكومي خالص يرسمه القائد العام للقوّات المسلحة ومؤسسات الدولة الأمنية، أم هو نتاج تفاهمات داخل الإطار نفسه، تُراعى فيها حساسيّات الفصائل وترتيباتها الخاصة؟
إذا بقي القرار في هذا الملف محصورًا داخل دائرة التفاهمات بين القوى الشيعية الرئيسة، فإنّ ذلك يعني عمليًا أنّ سقف الإجراءات سيتوقّف عند النقطة التي لا تهدّد توازنات هذه القوى ولا تقلّص نفوذها الأمني. أمّا إذا جرى التعامل معه كملف دولة، يتقدّم فيه منطق المؤسسة على منطق المكوّن والكتلة، فسيكون على الحكومة أن تذهب أبعد من مجرّد “تنظيم” السلاح نحو إعادة تعريف من يملك الحقّ في حمله، وكيف، وتحت أي سلسلة قيادة. بين هذين الخيارين تتشكّل العقدة التي يتحدّث عنها كثيرون في الكواليس: دولة تريد حصر السلاح، وقوى نافذة لا تريد خسارة أوراق القوّة التي يمنحها السلاح.
موقف الفصائل بين القبول النظري والقلق من المستقبل
حديث عبد الهادي عن “تفاعل وتفاهم من أغلب الفصائل” مع التوجّه لحصر السلاح يعكس، في جانب منه، إدراكًا عامًا داخل هذه الفصائل بأنّ بقاء السلاح خارج الدولة بلا سقف زمني لم يعد ممكنًا، لا داخليًا ولا خارجيًا. لكن في المقابل، هناك هواجس حقيقية داخل بعض هذه التشكيلات من أن تتحوّل خطة الحصر إلى مدخل لإضعافها سياسيًا، أو لعزلها تدريجيًا عن مفاصل الدولة، أو لتقديمها ثمنًا في أي تفاهمات إقليمية ودولية تخصّ العلاقة بين بغداد والعواصم الخارجية.
هذه الهواجس تظهر في خطاب بعض المنابر المحسوبة على الفصائل، سواء عبر التشكيك في نيّات الولايات المتحدة، أو عبر التحذير من محاولات “تفكيك قوّة الردع” التي تشكّلت بعد الحرب على داعش، أو عبر الربط بين حصر السلاح وبين سيناريوهات استهداف ما يُسمّى بمحور المقاومة. وفي ظلّ هذا المناخ، يصبح التحدّي أمام الإطار مزدوجًا: إقناع الداخل بأنّ الخطة ليست مجرّد استجابة للضغط الخارجي، وإقناع الخارج بأنّها ليست مجرّد مناورة شكلية لكسب الوقت.
الخطة الثلاثية بين الخطاب والاختبار العملي
من الناحية النظرية، تبدو “الخطة الثلاثية” التي طرحها عبد الهادي إطارًا عامًا: تحديد الجهات، ترتيب الأوراق، ثم التنفيذ التدريجي. لكن الترجمة العملية لهذه المراحل ستكشف سريعًا عمّا إذا كان الملف يتّجه نحو حسم حقيقي أم إدارة زمنية للأزمة. فمرحلة “تحديد الجهات” مثلًا ستصطدم مباشرة بسؤال: هل تشمل جميع التشكيلات المسلّحة خارج القوّات النظامية المعلَنة، أم فقط ما يُتّفق على أنّ وجوده لا ضرورة له؟ ومرحلة “إعادة ترتيب الأوراق” ستواجه سؤالًا آخر: هل يعني ذلك دمجًا وتحديثًا وضبطًا، أم مجرّد نقل سلاح من مخزن إلى آخر وعنوان من واجهة إلى أخرى؟
الاختبار الأهم سيظهر عندما تبدأ الدولة، إذا قرّرت المضي، بتطبيق المبدأ نفسه على الجميع، بلا استثناءات. عندها سيكون على القوى التي تتبنّى اليوم خطاب “حصر السلاح” أن تجيب عمليًا عن سؤال حسّاس داخليًا: هل هي مستعدة لوضع سلاحها، وكل ما يرتبط به من تمويل ونفوذ، تحت ذات القواعد التي تُطبَّق على الآخرين؟ أم أنّ شعار الحصر سيظلّ يُدار من داخل توازنات قائمة، بحيث يُستخدم للضغط على بعض القوى، ويُستثنى منه البعض الآخر بحجّة “الشرعية” أو “الدور في محاربة الإرهاب”؟
عقدة الداخل بين الحاجة إلى الدولة والخشية من فقدان النفوذ
في جوهر النقاش السياسي الدائر اليوم، تقف عقدة واضحة: الطبقة السياسية، وفي قلبها الإطار، بحاجة إلى دولة قوية تستعيد الثقة الداخلية وتحمي الاقتصاد والعلاقات الخارجية، لكنّها في الوقت نفسه تخشى من أن يؤدّي تفكيك البنية المسلّحة المتشابكة مع السلطة إلى فقدان جزء كبير من قدرتها على التحكّم في الشارع وفي موازين القوى.
حصر السلاح بيد الدولة، إذا طُبّق فعليًا، سيقلّص من هامش استخدام السلاح في لحظات الأزمات السياسية والانتخابية، وسيحدّ من إمكانية تحويله إلى أداة ضغط في التفاوض على الحكومات والمناصب والصفقات. وهذا ما يجعل الملف عقدة داخلية قبل أن يكون استحقاقًا خارجيًا؛ لأنّ أي خطوة جدّية في هذا الاتجاه تعني، موضوعيًا، تغيير قواعد اللعبة التي حكمت العراق منذ 2003، والتي جعلت السلاح، الرسمي وغير الرسمي، جزءًا من المعادلة السياسية وليس أداة دفاعية فقط.
في ضوء ذلك، تبدو “الخطة الثلاثية” التي يتحدّث عنها الإطار خطوة أولى نحو تنظيم الخطاب الرسمي حول السلاح، لكنها ليست جوابًا نهائيًا عن السؤال الأكبر: من يملك في النهاية القرار الحاسم في هذا الملف، الدولة بمفهومها الدستوري، أم القوى التي قامت تجربتها السياسية على الجمع بين الحزب والسلاح؟ وحتى يتمّ اختبار هذه الخطة على الأرض، سيبقى ملف حصر السلاح بيد الدولة عقدة سياسية داخلية مفتوحة، تتحرّك بين وعود الإطار، وضغوط الشارع، وحسابات الفصائل، وحدود ما تستطيع الحكومة أن تفعله فعليًا بعيدًا عن منطق التسويات المؤقتة.
تقرير: محرر الشؤون السياسية في بغداد اليوم
وفق حرية الرأي والنشر يتم نشر هذه المادة والجريدة غير مسؤولة عما ينشر فيها من مواد واخبار ومقالات
السيمر موقع عراقي مستقل