أخبار عاجلة
الرئيسية / خلونا نسولف / خلونا نسولف

خلونا نسولف

فيينا / الأربعاء  31. 12 . 2025

وكالة السيمر الاخبارية

رسل جمال*

اعياد الميلاد في العراق

في العراق، لا تمرّ ليلة رأس السنة بصمت. أصوات المفرقعات تختلط بضحكات الأطفال، ورائحة الشاي الثقيل تمتزج بأمنيات تُقال همسًا أو تُرمى في السماء بلا ترتيب. حتى البيوت المتعبة تحتفظ بهذه الليلة بفتحة أمل صغيرة، كأن البلاد كلها تتفق، ولو لساعة، على أن تمنح نفسها فرصة جديدة، المفرح بالامر ان الناس تتسابق على محال المعجنات للحصول على كيك الميلاد، وقد استغرقني الامر ساعتين تقريبا حتى اصل للبائع وقد اثرت ان اطلب فطيرة واجلس اكل وانا انظر للطابور وهو يقصر، وفي النهاية قررت ان اخوض معركة الطابور بسعادة غامرة للحصول على كعكة الميلاد وبالنهاية حصلت عليها وكنت مسرورة بهذا الانجاز.

في ظاهر الأمر، لا يفصل بين سنةٍ راحلة وأخرى مقبلة سوى ليلة واحدة. أربعٌ وعشرون ساعة لا تحمل في تكوينها المادي أي اختلاف عن غيرها من الليالي، لكنها في وعي الإنسان تتحول إلى ما يشبه القفزة بين زمانين، أو جسرٍ هش نعبره محمّلين بكل ما كان، ومترقبين كل ما سيكون.
نهاية السنة ليست حدثًا زمنيًا بقدر ما هي حالة شعورية جماعية. يتوقف الناس عند حافتها كما لو أنهم يقفون أمام مرآة كبيرة، يراجعون فيها وجوههم القديمة: خساراتهم، إنجازاتهم، العلاقات التي نجت، وتلك التي سقطت بصمت. فجأة يصبح الوقت شخصيًا جدًا، لا يُقاس بالساعات بل بما تركه فينا من أثر.
رأس السنة لا يغيّر العالم، لكنه يغيّر نظرتنا إليه. لا تنقلب الحروب إلى سلام، ولا الفقر إلى رخاء، ولا الأحزان إلى أفراح بمجرد تبدل الرقم في التقويم. ومع ذلك، يصر الإنسان على أن يمنح هذه الليلة معنى استثنائيًا، لأنها تمثل له فرصة رمزية للقطع مع التعب، ولو على مستوى النية.
هي ليلة فاصلة بين سرديتين: سنة عشناها بكل فوضاها، وسنة نكتبها في خيالنا بأحلام أنقى. في هذه القفزة الزمنية، نحاول أن نخفف أمتعتنا؛ نترك خلفنا ما أثقل الروح، ونحمل معنا ما نحتاجه فقط للاستمرار. وربما لهذا السبب، تكون هذه الليلة محمّلة بالحنين والخوف والأمل معًا.
ضمن صيرورة الوقت، لا يتوقف الزمن ليمنحنا فرصة للالتقاط، لكنه يترك لنا محطات وهمية نرتاح عندها نفسيًا. ونهاية السنة واحدة من أهم هذه المحطات؛ استراحة قصيرة نعيد فيها ترتيب فوضانا الداخلية قبل أن نُدفع مجددًا إلى تيار الأيام.
ليلة رأس السنة ليست معجزة، لكنها وعد داخلي. وعد بأن نحاول من جديد، أن نكون أقل قسوة على أنفسنا، وأكثر وعيًا بأن العمر لا يُقاس بعدد السنوات التي نعبرها، بل بعمق ما نعيشه فيها.
وفي النهاية، قد لا تفصل بين السنوات سوى ليلة واحدة، لكنها بالنسبة للإنسان تفصل بين نسختين من ذاته: واحدة تعبَت، وأخرى تأمل أن تكون أقوى.

*سكرتير التحرير 
بغداد / 31 . 12 . 2025
www.saymar.org
alsaymarnews@gmail.com

وفق حرية الرأي والنشر يتم نشر هذه المادة والجريدة غير مسؤولة عما ينشر فيها من مواد واخبار ومقالات

اترك تعليقاً