أخبار عاجلة
الرئيسية / ثقافة وادب / قصة قصيرة/ تمر ولبن

قصة قصيرة/ تمر ولبن

فيينا / الجمعة   02 . 01 . 2026

وكالة السيمر الاخبارية

 شيماء حسين

​الأمُّ والانتظار الذي لا يكلّ​ تلك الأكلة العراقية البسيطة(التمر باللبن).
تختزل لديها عالماً من الحب والذكريات تحبها، وتَعدُها وجبةً مُقدسةً لا تكتمل لذتها إلا في حضرة “فلذة كبدها”. كل زاوية في بيتها العتيق كانت تضجّ برائحة الانتظار، وشوقها له كان كَنهر دجلة لا يجف ولا يتوقف تتمنى جلسةً واحدةً صادقةً، تتناولهما معًا، وتنسابُ بينهما الأحاديث بهدوء..
ما قبل الغروب
وكلما رنّ هاتفها تحملُهُ بلهفةٍ كأنه هديةُ العيد، وكلما سمعت نبرة صوته تذوبُ حواجزُ التعب، لكن الردّ كان يتكرر بحجةٍ لا تتغير
((يا أمّي، الشغل! والدوام أمرّ عليج الأسبوع الجاي))
مرّ العمر، لا أسبوعٌ جاء، ولا الشغل انتهى. كان الاعتذار سيفًا باردًا يطعنُ قلبها المرتجف، حتى أن التمر بات في فمها مُراً، واللبن لم يعد يرويها ​لم تتحمل الأمُ العظيمةُ مرارةَ القطيعة وذلَّ السؤال. كانت كرامتها أثمنَ من كنز، لذا كانت تبتدعُ الحيل لـتراه تذهبُ إلى المدينة حيثُ يسكن، وتتعللُ بـ “مراجعة الطبيب” القريب من بيته، على أمل أن يقع بصرها على خياله ولكن هيهات! كان البيت خاويًا إلا من الخادمة وصمت جدرانه.
​لم تجد بداً من تذليل نفسها لِلحظة لقاء، فتبيتُ في بيته رغم أن النوم لا يعرف دربًا إلا إلى فراشها. تتلوى على سرير الغرفة، تحسب النجوم والأضواء العابرة، وكلُ ما تتمناه هو أن تسمع وقع خطاه.
​لقاءُ فجر… ونصفُ ساعة من الحياة
​يأتي آخر الليل، يتسللُ إلى بيته متعباً، مُثقلاً بالعمل واللامبالاة.
تَفزّ الأمُّ من نومها المفزوع، تناديه بصوتٍ يرجفُ حباً
​(تعالَ… أريدُ أشوفَك يا يُمّه، تعال)
​يجلسُ الابنُ إلى جانبها، يهمسُ باعتذاراتٍ واهيةٍ كذوبةٍ لا تُطهرُ ذنبَه. تأخذُ من وقته الثمين نصفَ ساعةٍ فقط، تتأملُ ملامحه وتخزنُها في ذاكرتها، كأنها صورة سترافقها زمنًا طويلاً ​ومع بزوغ الفجر، وقبل أن تستيقظ المدينة، تنسحبُ الأمُّ كطيفٍ. تعود إلى بيتها، تتمددُ على سريرها المألوف، وتهزُ رأسها بأسىً وهمسٍ يكاد لا يُسمع
​(يا يُمّه، ما شبعتُ من شوفَتَك)
​توالت الاتصالاتُ المستجديةُ والاعتذاراتُ المتكررة، حتى أسلمت روحَها الطاهرةَ إلى بارئها… توفيت الأم.
​لم يلحق الابن أن يحضرَ جنازتها! ولم تحظَ هي برؤيته الأخيرة التي طالما تمنّتها. رحلت وفي قلبها غصة تمرٍ ولبنٍ لم تتناولها معه.
​واليوم، يجلسُ الابنُ وحيدًا. كلما امتدت يدُه لتمرٍ… يرتجفُ قلبه، تُذكّرهُ حلاوةُ التمر بمرارةِ ندمه. صار يوزع التمرَ واللبنَ على الفقراء، صدقةً عن روحها، لكنّ ضاعت اجمل اللحظات التي لاتضاهيها صدقة.
وصار التمر مر
ولم يعد اللبن ابيض..

 *صفحات الفيسبوك

وفق حرية الرأي والنشر يتم نشر هذه المادة والجريدة غير مسؤولة عما ينشر فيها من مواد واخبار ومقالات

اترك تعليقاً