فيينا / الجمعة 16 . 01 . 2026
وكالة السيمر الاخبارية
محمد فضل الله *
سأَستخدم في هذا المقال مقاربتَين أرفضهما، ولكن للأسف يبدو أن الجميع مهجوس بهما إلى درجة أن أي حديث خارجهما يصبح لاغياً تلقائياً، بالتالي سأضطر إلى استخدامهما موضعياً هنا.
المقاربة الأولى هي النقد اللاحق (وما أكثره) على النكسة: مَنْ يريد أن يَنتقد حزب الله ومكامن الخلل في طريقة مقارعته للإمبريالية كان يجب عليه فعْل ذلك حين كان الحزب في عصره الذهبي (لا أتحدّث هنا عن النقد الذي كان يُكال قبل الحرب في بعض الأحيان من قبيل لماذا لا يَمتلك حزب الله برنامجاً إنمائياً أو لماذا وزراء الحزب غير فاعلين، هذا في معظمه نشاط مطلبي)؛ إذا لم تكن قادراً في حينه على استكشاف معالم الأزمة الكامنة لا يمكنك أن تَفعل ذلك بعد النكسة، لأنه بإمكانك الإتيان بأي شيء باعتباره سبباً لما وَقَع في أثناء السنتين الماضيتَين، وستَكتسب عباراتُك وزناً في النقاش لأنها زمنياً أتتْ بعد النكسة لا أكثر.
علينا هنا أن نُشير إلى جانب إيجابي في نقد التجربة الحاصل على علل هذا النقد؛ لو فَرضنا أن سماحة السيد رحمة الله عليه، توفي عام 2020 مثلاً بسبب فايروس «كورونا» ومن ثم نُفِّذ ما نُفِّذ من اختراقات أمنية إسرائيلية عام 2024؛ كل ما نراه اليوم من نقد (ومحاولات تحليل وفهم) لم يكن ليكون ممكناً أصلاً، القراءة الوحيدة ستكون أن سبب الانتصارات السابقة هو السيد رحمة الله عليه والنكسة وَقعتْ بسبب غيابه، وسيكون الطرح «المنطقي» الوحيد هو أنه علينا إيجاد «سيد حسن نصر الله جديد» وسيَنبري عشرات الأشخاص لتقليد طريقة السيد رحمة الله عليه في الخطاب والكاريزما، لن يَنجحوا بطبيعة الحال، ستتعمّق الأزمة، وستتحوّل تجربة الحزب الماضية إلى عبء على البيئة لمئات مقبلة من السنين.
المقاربة الثانية هي مفهوم الجيل الذي شُكِّل مؤخّراً باعتباره هوية سياسية (جيل زي وإكس وواي وغيرها من العبارات)، طبعاً لسنا مَنْ شَكّل هذا المفهوم ليكون هوية سياسية، ولكن دول الأطراف بَدأتْ تعاني من فرضه عليها مؤخّراً، «تظاهرات جيل زي» في المغرب والمكسيك وغيرها؛ لم تعد هناك تظاهرات طلابية جامعية، بل هي تظاهرات جيل زي؛ قد نتحدث لاحقاً عن الكيفية التي شَكّلتْ فيها الجامعة الأميركية مفهوم الجيل كهوية سياسية، ولكن الفكرة هنا أنه رغم اعتراضي على هذا المفهوم إلا أنني سأَستخدمه لأهداف تواصلية، تداولية.
ما أحاجج به هنا هو أن الجيل الذي أَنتمي إليه (أولئك الذين وُلدوا تقريباً بين منتصف السبعينيات ومنتصف الثمانينيات) يتحمّل جزءاً كبيراً من المسؤولية (إنْ لم نقل المسؤولية كاملةً) في ما جرى علينا؛ جيلنا بشكل عام هم أبناء جيل المؤسِّسين للحزب. صحيح أن جيل المؤسسين كان غالباً صعب المراس في المؤسسات التي يديرونها وطريقة توزيعهم كانت غير منطقية للميزانيات أحياناً، ولكنك حين تتحدّث إليهم وتضعهم في سياقهم الزمني يمكنك تفهُّم (وليس تبرير) سلوكهم الإداري المزعج في كثير من الأحيان.
أمّا جيلنا فقد كانت له عدة ميّزات في المقابل: عمرنا من عمر الحزب (أو ما كان يُسمّى في البدء «الحال الإسلامية»، عبارة اندثرتْ لاحقاً)، وبالتالي كان وعينا يتفتّح مع نمو الحزب، لم نَعرف معنى الهزائم، كنا نَسمع بأنها حدثتْ سابقاً، وكانت كل المؤشرات في بيئتنا تدلّ على نمو في كل المجالات، ليس فقط العسكرية، بل التعليمية والاقتصادية أيضاً، وكان يبدو هذ المسار كما لو أنه تلقائي لا نهائي (حتى الانتصارات العسكرية كانت أهميتها تَكبر مع كل مواجهة مفصلية، لم تكن مجرد سلسلة من الانتصارات، بل «نمو انتصارات»). مع كل عام يمرّ، كنتَ تجد أن الأبناء يصلون إلى مراحل جامعية أعلى من تلك التي وصل إليها آباؤهم، والمستوى الاقتصادي للأبناء أفضل من مستوى آبائهم… ولكن لم يكن في الحسبان أن نمو هذه المسارات التعليمية والاقتصادية ليس لا نهائياً.
بعد عام 2010 تقريباً بدأ منحنى هذه المسارات بالتسطُّح (plateauing)؛ تَقدُّم هذه المسارات بالتزامن ليس بديهياً في كل التجارب الحزبية، الموارنة مثلاً تراجعتْ مؤشراتهم التعليمية والاقتصادية مع حملهم للسلاح. لكن هذا المسار التصاعدي أعطى انطباعاً مراوغاً بالتلقائية المريحة، الوقت لصالحنا أو نعم هناك مشكلات لكن الزمن كفيل بحلّها والمؤسسات تتحرك أبطأ من الأفراد وغيرها من العبارات التي كانت تُساق (أو بالأحرى تُلاك) لسبب رئيسي: لم يُرِد جيلُنا إضافة أبعاد جديدة لمشروع المقاومة (أي تطوير مشروع المقاومة) بل محاولة الترقّي في المناصب داخل الجسم التنظيمي الموجود.
فكرة أن تقوم بمشروع يُدمَج أو يُدعَم من الحزب لم تُقمَع فقط من قِبَل القيادة، بل لم يكن هناك إرادة من قِبَل المجايلين لفعْل ذلك أساساً. التنافس على المناصب الموجودة بدا أسهل (خصوصاً وأن «ملفات» عديدة جديدة كانت تُفتَح داخل الحزب ومعها تعيينات جديدة)، رغم أن هذا الجيل كان يُفترَض أن يتفرّغ لتطوير مشروع المقاومة أكثر من الجيل الذي سبقه والجيل الذي لحقه، إذْ بَدأنا مساراتنا المهنية وحياتنا السياسية في أوقات هادئة نسبياً، أواخر التسعينيات حتى العام 2012 على الأقل.
نعم كانت هناك بعض الجهود تُبذَل من قِبَل البعض لمدة سنة أو سنتين (ومن ثم يسود الصمت التام) لكنها كانت حصراً جهوداً إدارية وليست فكرية وتَأتي ضمن مشروع تأمر به القيادة ومدفوعة التكاليف مسبقاً (ما كنت أسمّيه مجتمع الضمانات الفائقة). لكن كان هناك مستوى من اللامبالاة والشخصانية والتنافس في هذا الجيل لم نعهدها في الجيل الذي سبق (كنت أسمّي ذلك «الشيخوخة المبكرة للحزب»). تخيّل أن تتقدّم بمشروع ما فتكون معظم الردود من مجايليك مستغربة لماذا تُتعب نفسك بهذه المواضيع (الجيل نفسه الذي كان يفترض أن يطوّر نظرية المقاومة)، بهذه العقلية كنا نريد مواجهة أضخم إمبراطورية في التاريخ.
قبل حرب تموز 2006 كان لدى قيادة الحزب مشروع «حزب المتعاقدين» بدل «حزب المتفرغين»، وكان هذا يَستهدف جيلَنا بشكل خاص (الجيل الذي بدأ لتوّه حياته المهنية)؛ أي أن المشروع كان حزباً يضمّ أفراداً لديهم وظائفهم الخاصة ويتعاقدون في فائض وقتهم مع الحزب في مشاريعه العسكرية وغيرها. لا يمكن التأكيد بأن هذا النموذج كان سيُنتِج تفكيراً أكثر استقلالية، لأنه كان واضحاً منذ ما قبل العام 2006 أن أفراد جيلنا غير مهتمين فعلاً بالاستماع إلى بعضهم البعض أو تشكيل تيارات داخل الحزب. لم يكن هناك تيارات داخل الحزب، بل مجموعات تابعة لأشخاص مختلفين ومتنافسين في أغلب الأحيان. كان ذلك نذير مشكلة هيكلية، إذْ أن النقاش لم يكن أيديولوجياً، بل كان هناك ما أريده مقابل ما يريده فلان أو فلان. لماذا لم يكن النقاش أيديولوجياً داخل الحزب؟ لأن جيلنا بالذات لم يُبدِ كثير اهتمام بمسألة النقاش الفكري وبتشكيل مدارس فكرية مختلفة داخل التيار نفسه.
لماذا أكتب عن هذا الموضوع الآن؟ لأن إعادة تأسيس الحزب والمقاومة ستكون على الأرجح على أيدي هذا الجيل، وآمل ألّا يكرّر الأخطاء نفسها، أعني بذلك أخطاءه هو وأخطاء جيل المؤسسين الذي كان قبله. ليست مهمة سهلة بلا شك، لكن لديهم الفرصة لأن يعوّضوا «العقدَين الضائعَين». وقد يكون البدء بتحويل خلافاتنا الشخصية إلى اختلافات أيديولوجية بداية إعادة التأسيس. ومن صفحة الرأي في الجريدة هنا يتّضح أن الجيل الذي تحدّثت عنه هو الأكثر مبادرةً إلى كتابة نقد للتجربة بشكل عام ولما وقع في العامَين الماضيين بشكل خاص، وهذه بداية جيدة، أي أن تشكّل جريدة «الأخبار» منصة النقاش النقدي أو الفكري أو الأيديولوجي في بيئة المقاومة؛ لنتذكر أنه فقط بعد الحرب أصحبنا نرى نقاشاً منتظماً أكثر وفكرياً أكثر.
* باحث وكاتب لبناني
المصدر / الاخبار اللبنانية
وفق حرية الرأي والنشر يتم نشر هذه المادة والجريدة غير مسؤولة عما ينشر فيها من مواد واخبار ومقالات
السيمر موقع عراقي مستقل