أخبار عاجلة
الرئيسية / خلونا نسولف / خلونا نسولف

خلونا نسولف

فيينا / السبت  24 . 01 . 2026

وكالة السيمر الاخبارية

رسل جمال

الشتاء… حين يكون البرد جميلًا، وحين يصبح عبئًا

للشتاء هيبة لا تشبه غيره من الفصول. يأتي بثقله الهادئ، بصوته وهو يطرق النوافذ، وببرده الذي يمنح للبيوت نكهة مختلفة. في الشتاء تحلو الجلسات، ويقترب الناس من بعضهم أكثر، يصبح للكلام دفء خاص، وللصمت معنى. البرد المعتدل ليس عدوًا للإنسان، بل تذكير صامت بأن الدفء نعمة، وأن للحياة مواسم تتبدل كما تتبدل القلوب والمشاعر.
غير أن هذا الجمال، ككل ما في الحياة، له حدوده. فحين يخرج البرد عن طبيعته، يتحول من إحساس لطيف إلى عبء ثقيل. وعندما تنخفض درجات الحرارة إلى ما دون قدرتنا على الاحتمال، لا يعود الشتاء شاعرًا ولا رومانسيًا، بل قاسيًا ومُرهقًا. تتثاقل الخطوات، وتتعقد تفاصيل اليوم البسيطة، ويغدو المشي مغامرة، والذهاب إلى العمل أو قضاء حاجة اعتيادية اختبارًا حقيقيًا للصبر والقدرة على التحمل.
وفي الطرف الآخر من المشهد، لا يختلف الحال كثيرًا. فارتفاع درجات الحرارة عن حدودها الطبيعية يجعل الحياة شبه مستحيلة. الحر الشديد يسرق الطاقة، ويشل الحركة، ويحوّل أبسط النشاطات اليومية إلى أعباء مرهقة. لا البرد القاسي يُحتمل، ولا الحر اللاهب يُطاق، وكلاهما يعكس وجهًا واحدًا لمعاناة الإنسان حين تختل قوانين الطبيعة.
الإنسان كائن خُلق على إيقاع الأرض، وحين يختل هذا الإيقاع، تختل معه تفاصيل العيش. فالفصول لم تُخلق لتكون قاسية، بل لتمنح الحياة تنوعها وتوازنها. وما يجعلها جميلة حقًا ليس تطرفها، بل قدرتها على أن تكون رفيقة للإنسان، لا عائقًا أمام حركته، ولا سببًا في زيادة قسوة أيامه.

خاتمة
ربما ليست المشكلة في الشتاء ولا في الصيف، ولا في البرد ولا في الحر، بل في اختلال الميزان الذي به تستقيم الحياة. فكل ما يتجاوز حدّه، ينقلب من نعمة إلى عبء، ومن جمال إلى قسوة. الإنسان لا يطلب مثالية الفصول، بل عدالتها؛ أن تكون الطبيعة على قدر احتمال الروح والجسد معًا.
وحين يختل توازن الطقس، يذكّرنا ذلك بهشاشتنا أمام الكون، ويكشف أن رفاهيتنا ليست أمرًا مسلّمًا به، بل حالة دقيقة تقوم على الانسجام. فالاعتدال ليس مجرد رقم في درجات الحرارة، بل فلسفة حياة كاملة: أن لا يطغى شيء على شيء، وأن تبقى الحركة ممكنة، والأمل حاضرًا، والعيش أقل قسوة.
وهكذا، بين بردٍ جميل إن اعتدل، وحرٍّ محتمل إن لم يتجاوز حدوده، تبقى أمنية الإنسان بسيطة… أن تمضي الفصول كما خُلقت، لا أكثر، ولا أقل.


*سكرتير التحرير
بغداد / 24 . 01 . 2026
www.saymar.org
alsaymarnews@gmail.com

وفق حرية الرأي والنشر يتم نشر هذه المادة والجريدة غير مسؤولة عما ينشر فيها من مواد واخبار ومقالات

اترك تعليقاً