أخبار عاجلة
الرئيسية / خلونا نسولف / خلونا نسولف

خلونا نسولف

فيينا / الأثنين  02 . 02 . 2026

وكالة السيمر الاخبارية

رسل جمال

حين تصبح الخصوصية سلعة

وسائل التواصل الاجتماعي: هل قرّبتنا فعلًا أم كشفتنا أكثر مما ينبغي؟
بالبداية، جانت وسائل التواصل الاجتماعي فكرة حلوة؛ تقرّب البعيد، وتكسر عزلة المسافات، وتجعل الصوت يصل بدون وسيط. بس مع الوقت، تحوّلت من جسر تواصل إلى نافذة مفتوحة على مصاريعها، يدخل منها كل شيء… حتى اللي ما نريد أحد يشوفه.
اليوم، الخصوصية ما عادت حق طبيعي، صارت سلعة. كل صورة، كل منشور، كل “ستوري” هو جزء من حياتنا نعرضه للعلن، أحيانًا بملء إرادتنا، وأحيانًا غصبًا عنا. الغريب إننا صرنا نعيش حياتنا ليس لأنفسنا، بل لعيون تراقب، وتعليقات تحاكم، ولايكات تقيم.
الأخطر من هكذا ، إن وسائل التواصل لم تقف عند حدود الغرباء، بل دخلت بعمق داخل البيوت. اصبح الهاتف سلاح، والبوست أداة ضغط، والسكرين شوت دليل إدانة. نرى أفراد من العائلة الواحدة يفضحون بعضهم بعضًا، ينشرون خلافاتهم، أسرارهم، وحتى لحظات ضعفهم، وكأن الخصومة يجب ان تكون علنية حتى تنتصر.
خلاف كان ممكن أن يحل بكلمة هادئة، صار فضيحة رقمية. زعل عابر تحوّل إلى تشويه سمعة، وتصفية حسابات، وتعدّي لفظي ونفسي يوصل أحيانًا لحد التهديد. التكنولوجيا، التي كان من المفروض ان تخدم الإنسان، صارت تُستخدم ضده، لأن الأخلاق لم تتطور بنفس سرعة التطبيقات.
وسائل التواصل ليست هي شر بحد ذاتها، لكنها مرآة. تكشف وعينا، وتفضح سوء استخدامنا. المشكلة ليس بالمنصات، المشكلة بعقلية تعتبر الفضح شجاعة، والتشهير حق، والتعدي “حرية رأي”.
يمكن قرّبتنا من بعض شكليًا، لكنها كشفتنا أكثر مما ينبغي. عرّت علاقاتنا، وبيّنت هشاشتها، وجعلّت الخصوصية عملة رخيصة تُصرف عند أول غضب.
وسط هذا الضجيج، نحتاج للعودة لنسأل أنفسنا:
هل كل ما نعرفه يُنشر؟
وهل كل ما نملكه من أدوات يجب ان نستخدمه؟
الوعي الرقمي اليوم ليس ترفا ، بل هو ضرورة. لأن التكنولوجيا بدون أخلاق، تشبه سكين بيد طفل… تجرح أكثر مما تفيد.

وفي الختام، وقبل السلام…
ربما المشكلة لم تكن يومًا في التكنولوجيا، بل في هشاشتنا أمامها. نحن لم نخسر خصوصيتنا لأن الشاشات سرقتها، بل لأننا سلّمناها طوعًا، بحثًا عن اعتراف، أو انتصار وهمي، أو لحظة تعويض عن فراغ داخلي.
وحين يتحوّل القريب إلى خصم، والعائلة إلى جمهور، ندرك أن أخطر ما كشفته وسائل التواصل ليس حياتنا، بل ضعف قيمنا حين تُختبر أمام الغضب.
فالإنسان الذي لا يعرف أين يصمت، لن يعرف يومًا كيف يتكلم, لعلّ أعظم ثورة في هذا الزمن، أن نختار الستر في عالم يعشق الفضيحة، وأن نحمي ما تبقّى من إنسانيتنا… منّا نحن، قبل أي شاشة.

*سكرتير التحرير 
بغداد / 02 . 02 . 2026
www.saymar.org
alsaymarnews@gmail.com

وفق حرية الرأي والنشر يتم نشر هذه المادة والجريدة غير مسؤولة عما ينشر فيها من مواد واخبار ومقالات

اترك تعليقاً