فيينا / الأربعاء 18. 03 . 2026
وكالة السيمر الاخبارية
سهيل الزهاوي
حين يعود التاريخ بوجهه القديم
في زمن تتشابك فيه خرائط النفوذ وتعود القوى الكبرى لتتدخل في مسارح أمم أصغر، تبرز قصيدةُ اليانكيز عادوا… كنص يواجه هذا
التكرار التاريخي. ليست القصيدة مجرد تعليق سياسي صارخ، بل خطاب مقاوم يعيد طرح سؤال العلاقة بين المركز والهامش، ويجعل من الذاكرة وسيلة للاحتجاج على التواطؤ.
ملاحظة افتتاحية عن النداء الأول
من السطر الأول يضعنا الشاعر أمام نداء معلق: «إلى الذين…؟»؛ هذا النداء المبتور ليس تفصيلًا ثانويًا بل يمثل بوابة داخلية للقراءة، لأنه يسبق العنوان في تحديد مخاطَبه. في الشعر السياسي، يكون المخاطَب محورًا للخطاب، وهنا يتحقق اختبار وعيه عبر علامة استفهام تضعه في موضع المساءلة.
العنوان: «اليانكيز عادوا…» وتأويل الإطار
العنوان يضع الإطار العام للنص لكنه لا يحدد موقع القارئ بداخله. كلمة «اليانكيز» ليست محايدة — هي تسمية محملة بدلالات استعمارية وحضور قهري — وفعل “عادوا” يؤشر إلى أن الهيمنة دورة تعود كلما سمحت الظروف. علامات الحذف في النهاية تشتغل كتهديد مفتوح: العودة ليست حدثًا مغلقًا بل استمرارًا يقتضي اليقظة.
مقدمة نظرية
نقترح قراءة النص من تقاطع ثلاث مناهج: البنيوي، التداولي، وما بعد الكولونيالي. هذا المزيج يساعد على فهم القصيدة كخطاب مضاد للهيمنة، حيث يصبح الشعر أداة لتفكيك السلطة الرمزية والخطاب الذي يدعمها — ما يتقاطع مع مقاربات تربط بين الثقافة والهيمنة، وبين إنتاج الخطاب والسلطة، وبين آليات تمثيل الذات المهيمنة.
نص القصيدة
اليانكيز عادوا…
إلى الذين…؟:
انا لم أثِقْ يوماً بيانكيزَ ولا:
راياتِهمْ،
أصدائِهِمْ،
ميثاقِهمْ،
و”الخيلُ والليلُ والبيداءُ”
لم تثِقِ.
همْ في الخباثةِ مِلَّةٌ
وحشيَّةٌ
ولدى الهزيمةِ..
همْ غزالُ.
فاسألْ بـ(ميكونغَ)
واسألْ بـ(توربورَ)
واسألْ بـ(مظلوم)*
وعليهِ خُذْ مَثَلاً!!!
فاهجرْ عقيرتَكمْ
عن نهجِ سيرتِهمْ،
واحفظْ عجيزتَكمْ
عنْ مقعدٍ خَرِقِ
في السَّفحِ والزَّلَقِ،
والْحَقْ بمُنطلِقِ
في ساحة الفَلَقِ
بالفيلقِ الطَلِقِ،
“وأعدِّوا ما اسْطعْتُمْ…”!
*ميكونغ: نهر في فيتنام
تورابورا: سلسلة جبال في أفغانستان
مظلوم: مظلوم عبدي
17 آذار/مارس 2026
العتبة الداخلية: قراءة بنيوية ودلالية لإشكالية “إلى الذين…؟”
البيت الافتتاحي يبدو بسيطًا لكنه بنيويًا معقّد: جملة ناقصة تقطع بناءً نحويًا ودلاليًا. حرف الجر «إلى» يتوقع جهة محددة، لكن الاسم الموصول “الذين” يبقي على عمومية معطوفة بعلامة استفهام تُجهض الاكتمال. هذه الناقصة ليست هفوة بل تقنية مقصودة: الشاعر يمتنع عن تسمية المخاطَب ليجعل الفراغ نفسه ساحة مساءلة، ويحوّل صيغة الإهداء إلى امتحان أخلاقي وسياسي يضع المخاطَب أمام مرآة موقفه.
تفكيك رموز السلطة: الرايات والأصداء والميثاق
عبر تفكيك الشاعر لمنظومة السلطة إلى “رايات”، “أصداء”، و”ميثاق”، يبرز النص مستويات متعددة للهيمنة: القوة المادية، الخطاب الإعلامي، والشرعية القانونية. هذا التفكيك يؤكد أن السلطة لا تقتصر على القمع المادي بل تمتد إلى شبكات تنتج المعنى وتفرض قراءاته.
قلب الرموز التراثية
الفصل بين “الخيل والليل والبيداء” ودلالته البطولية التقليدية يمثل إزاحة قوية: الشاعر يفصل الرمز عن معناه التاريخي ويعيد توظيفه داخل مشهد سياسي معاصر، محذرًا من خطر استعمال الرموز الثقافية لتبرير تحالفات غير متكافئة.
الاستعارة الأخلاقية وبنية العنف
وصفُ الشاعر للآخرين بأنهم “ملة وحشية في الخباثة” يشيع تجريد الفعل السياسي إلى حكم أخلاقي يطال منظومة كاملة. بهذا يُحمّل النص الكيان السلطوي مسؤولية عنف منظّم، في خط قراءة ترى السلطة كنسق يمارس العنف ويبرّره باسم النظام أو الحضارة.
التقليل من قداسة القوة: تشبيه الغزال
تحويل صورة القوة إلى “غزال عند الهزيمة” يعمل سخريةً تهدّم عباءة القوة المطلقة. هذه الصورة تعيد تشكيل وعي القارئ بفضح التناقض بين الخطاب الذي يروّج للقوة ووقائع الانكسار التي تكشف هشاشتها.
التاريخ كذاكرة مضادة
بأسماء مثل (ميكونغ) و(تورابورا) و(مظلوم)، لا يستدعي الشاعر التاريخ بوصفه أرشيفًا للأحداث، بل بوصفه ذاكرة حيّة. تتحول هذه الأسماء إلى علامات دلالية تختزن تجارب الهزيمة، وتكشف عن التواطؤ الكامن فيها، حيث يُعاد إنتاج الخيانة في كل مرة تحت صيغ مختلفة. وبهذا، لا يكتفي النص باستحضار الوقائع، بل يعمل على قلب السردية المهيمنة، عبر إعادة كتابتها من موقع الضحية لا المنتصر، كاشفًا ما تُخفيه من تناقضات وانكسارات.
نقد اللغة الموالية والتحرر عبر القطيعة
دعوةُ الشاعر لترك “عقيرتكم” عن نهجهم تشكّل نداءً لقطع الوصل اللغوي مع خطاب القوة. فاللغة التي تستعملها الأنظمة تصبح ناقلًا لرؤيتها، والقطع معها خطوة أولى نحو التحرر السياسي والمعرفي.
الجسد كموقع سياسي معرض للخطر
صور مثل “عجيزتكم” والمقعد الخَرِق تُجسد هشاشة الجماعة المتحالفة وتكشف تعرّض أجسادها للانكشاف والتحكم بسبب تحالفات هشّة. الجسد هنا يتحول إلى خريطة السياسة التي تُعرّض المتبوعين لصالح قوى أكبر.
اقتراح البديل: الفيلق الطلق واستعادة الفاعلية
الانتقال من التشخيص إلى اقتراح “الفيلق الطلق” يصوّر فكرة قوة مستقلة غير مرتهنة — استعادة للقدرة على الفعل التاريخي من موقع الذات. هذه ليست دعوة إلى العنف بقدر ما هي دعوة لاستعادة الفعالية السياسية والكرامة الجماعية.
المرجعية الأخلاقية الختامية
استدعاء العبارة القرآنية “وأعدّوا ما استطعتم…” لا يتجه إلى الوعظ بل يمنح الخطاب شرعية أخلاقية تتجاوز اللحظة الآنية. بهذا يضع النص المقاومة في إطار أخلاقي واسع يربط بين الوعي والالتزام المسئول بدل الانفعال اللحظي.
الخاتمة: الشعر كفعل مقاوم
تُظهر القصيدة قدرة الشعر على التحول من وصف سياسي إلى ممارسة نقدية تفكك خطاب الهيمنة من الداخل. عبر عتبة “إلى الذين…؟” تصبح المحاكمة داخلية: الشاعر يضع المخاطَب في موضع المساءلة قبل أن يُقوِّض الإمبراطورية نفسها. النص لا يكتفي بتسمية العدو، بل يعمل على زعزعة شروط إنتاج الخطاب ذاته، معلنًا أن التحرر يبدأ باستعادة اللغة والذاكرة وموقع الفاعلية في التاريخ.
وفق حرية الرأي والنشر يتم نشر هذه المادة والجريدة غير مسؤولة عما ينشر فيها من مواد واخبار ومقالات
السيمر موقع عراقي مستقل
