فيينا / الأثنين 07 . 07 . 2025
وكالة السيمر الاخبارية
محمد علي محيي الدين
في أواخر القرن الثالث عشر الهجري، حين كانت الحِلّة تنفث عبقها بين فراتين، وتهدهدها نسائم الجنوب، وُلد فتى لاحَ في أفق المعرفة كالنجم الوليد، حملته الأقدار إلى عالمٍ لم يُمهله طويلًا، لكنه سكن القلوب كما تسكن الذكريات العذبة أطراف الروح.
كان مولده – على الأرجح – سنة (1287هـ) في الحِلّة، وقيل في النجف، حيث كان أبوه مقيمًا لتحصيل العلم، بينما كان جدّه، السيد المهدي، في الحِلّة مستقرًا ومتجذرًا في تربتها التي أنجبت الأدباء والفقهاء.
لم تكن الطفولة وقتًا للهو في حياة هذا الفتى، إذ ما إن بلغ السابعة حتى أرسله والده إلى النجف، إلى تلك الربى العلمية العالية، فغاص في بحور العربية وأصول الفقه، يلتقط لآلئ البيان ويتشرّب أسرار العلوم كما تتشرّب الأرض العطشى أول قطرة مطر.
عاش يتنقّل بين دروس العلماء الكبار، وعلى رأسهم عمّاه: السيد محمد والسيد حسين، حتى أصبح ـ بشهادة العارفين ـ من أولي القدح المعلّى، ومن قُدّر له، لو امتد به العمر، أن يكون من بين أكابر المجتهدين.
قال عنه صاحب البابليات: “وقد فرغ حينذاك من دراسة العلوم اللسانية، وما زال مكبّاً بعده على دراسة علمي الفقه والأصول… ولو عاش إلى اليوم لكان من أكابر المجتهدين المبرزين… وكان محافظاً على عباداته، ولا يفتر عن أوراده وصلواته”.
لكن القدر كان له بالمرصاد. فقد توفي والده سنة (1304هـ)، وكان يومها في السابعة عشرة من عمره، يكتنفه الحزن ويشدّ المئزر لمزيدٍ من الجدّ في طلب العلم. ثم لم يلبث أن أدركه الموت هو الآخر، بعد ثلاثٍ وثلاثين سنة، فطواه الثرى في مطلع المحرّم من سنة (1324هـ)، وقد دفن إلى جوار أبيه وجدّه في مقبرتهم بالنجف.
كان أنيسًا في المجالس، خفيف الظل، رقيق الطبع، متهلل الروح، لا يملّ جليسه من ظرافته وبشاشته. وصفه العلامة الشيخ السماوي في الطلائع، فقال: “خفيف الروح، رقيق الطبع، ظاهر الأريحية، ظريفاً عفيفاً، حسن المعاشرة، مع كرم أخلاق، مجدّاً في تحصيل علمي الفقه والأصول، شاعراً ناثراً، له في الغزل شعر رقيق، ومراسلات بليغة نظماً ونثراً”.
أما ديوان الشيخ حمادي نوح (المخطوط) فقد سجّل له ما يلي: “توفي شابًا في أول كهولته، وكان عالماً فاضلاً، ورعاً ناسكاً… فانصدع له الناس في العراق، وأقيمت له المآتم في الحِلّة والنجف، ورثاه شعراء البلدين”.
لم يتخذ الشعر مهنة ولا وسيلة للمجد، بل نظمه أنسًا وترويحًا، في الغزل والفخر والتشبيب. كتب الأهازيج والأزجال باللهجة العامية وأوزانها الشعبية، وطارح في ذلك أفاضل أصدقائه، كالسيد باقر الهندي، والشيخ عبد الكريم الجزائري، والشيخ مرتضى الخوجة.
ولم يمدح سوى قلة، في مقدمتهم عمه السيد محمد، وأخوه السيد هادي، وابن عمه السيد ميرزا موسى. وربما امتدح بعض الوجهاء أمثال طاهر باشا، ورشيد باشا الزهاوي، وراقم أفندي، وكل ذلك بطلب من أخيه الهادي.
ذكره الشيخ علي كاشف الغطاء في الحصون المنيعة فقال: “ولد في الحِلّة سنة 1287هـ، وهو عالم فاضل منشئ بليغ، كريم الأخلاق، طيّب الأعراق، هاجر من الحِلّة إلى النجف وهو شاب لتحصيل العلم، فحضر على علماء عصره فقهاً وأصولاً، ونال المراتب العالية، إلى أن أدركه حمامه يوم الأحد 20 محرم سنة 1324هـ، وعمره 38 سنة، ودفن في مقبرتهم المعدّة لهم مع آبائه، وخلف ولده السيد حميد رضيعاً”.
وهكذا، طُويت صفحة حياة كانت مرشحة لأن تُملأ مجدًا وشأوًا في ميادين العلم والأدب، لكنّها أُغلقت باكرًا، كأنما أرادها الله زهرة لا تذبل، بل تُقطف في أوج عطرها، لتظل حيّة في ذاكرة التراث وأحاديث المحبين، عنوانًا للخلق والعلم والشعر.
و له شعر في الغزل رقيق و مكاتبات مع إخوانه بديعة فمن غزله قوله :
يقولونَ لي أعْزب عن هوى من تحبه فقـــــــد لاح في خدّيه لام عذاره
فقلــــــــت لهم لم تستطــــــــــــــع قبلُ نظرةً إلى خــــــــــدّه عـــيني مخافة ناره
وحين بــــــــــدا مخضــــــــــر آس عذاره فقد آن لي ان اجتني من ثماره
و قوله:
لعمرك أيها الرشــا المفـــــــــــــدّى لقد أخجلت غصن البان قـــــــــدّا
وخــــف بك الدلال فظلّ يلـــقـــى هضيم الخصر من ردفيك جهـدا
لئن قلـــــــــق الوشاح به فقلبي غدا قلقــــــــــــــــاً له شغفاً و وجدا
ومر بك النسيم فضقــت ذرعا و قد اوسعتـَـــــــــني هجراً و صدا
يقول لي العذول وقـــــــد رآني و بي لعب الهـــــوى هزلاً و جدا
إلام و خــــدّ من تــهواه أمسى و قد أخفى العذار به و أبـــــدى
فقلت له و ملء الصدر غيظٌ و مِن رطْب الدموعِ نثرتُ عِقــدا
ترفّـــــــــــــــق انما أبصرتَ سيفا له اتخذوا حذارَ الفتــــــــــكِ غِمدا
وله في مدح أمير المؤمنين(عليه السلام) :
يا أبا السبطينِ يا خيرَ الورى بعـــــــــــــــــــدَ مَن أرسلَه اللهُ لخيرِ
قد أمنا بك في الدنيا وفي الـ ـنشأة الأخرى غدا من كل ضيرِ
أنت كهف الأمن مابين الورى أترانا ننــــــــــــــــــــــــــزوي عنــه لغيرِ
ما أتى نحــــــوك راجٍ قاصـــــداً ومضى إلاّ علـــى أسعــــــــــــدِ طيرِ
و إذا أمَّ لأبــــــــــــــواب الألــــــــى خابَ مسعاهُ و لم ينجـــــــــحْ بسيرِ
وقال الشيخ حمادي بن نوح يرثي المترجم:
سل سننَ الدينِ اينَ مرشدُها وأينَ عنها قدْ غابَ احمدُها
نجم دجـــــــــاها هــــلال ليلتها كوكــــــــــبُ ظلمائها و فرقدُها
ذو حجج عن ســـــواه غائبة وهو لخيــــــــــرِ الآباءِ يسندُها
وكان المترجم في الكاظمية مريضا فأرسل تيلغرافا إلى عمه السيد محمد:
باعتاب موسى والجواد تطلّعت عليّ هوادي العفوِ من كل مطلعِ
فألبست بعد السقم أثواب صحّة فلا أتمنى غيــــر أنكــــم معـــــــــي
فكتب اليه السيد محمد تلغرافا:
احمـــــــدُ مَن بصحةٍ مِن عفْوِهِ قدْ وسعكْْْ
لذتَ بآلِ المصطفى يا ليتني كنتُ معكْْ
وسمع المترجم بالمحاورة التي جرت بين عمه السيد محمد و السيد عبد الرحمن النقيب في أمر مشهد الشمس والأبيات التي نظمها السيد محمد المذكورة في ترجمته فأرسل إلى عمه المذكور من النجف هذه الأبيات:
لك اليوم فاشمخ مصدرُ النهيِ والأمرِ وته شرفاً في باذخِ المجدِ والفخرِ
وخضت بحار الغيب في حد فكـــــــــــرةٍ يقصّر عنها طائـــر الوهــــم والفكرِ
وأحييت آثار العلـــــــــــــــــــوم فأصبحت مشيّدة أركانها منك بالذكــرِ
وعادت رياض الديــــــــــــن فيك أنيــقة تروق بمطلول الخمائل والزهرِ
أنرت ببـــغداد سراج هدايــــــــــــة به استرشدت أهل الشآم إلى مصرِ
فأجابه السيد محمد بقوله:
بعمك فاخر لا بزيـد و لا عمرو و ته شرفا فيه على كل ذي قدرِ
فقد حلّ بالزورا محلا مبــجلا تعالى بـــه قدرا على هامة النسرِ
وقام بنصرِ الدين بدراً مجلّيا بمقوله الماضي بها غيهب الفكرِ
قداستل من علم المعز صوارما تذكرهم سلّ الصوارم في بدرِ
…الخ المقطوعة .
ومن شعره ما كتبه الى أخيه السيد هادي معاتباً له :
أسفتُ وحقاً أن يطول تأسّفــــــــــــــــي على ماء وجه صنتُه فأُريقـــــــا
وما ذاك إلّالامع الآل لاح لـــــــــــــــي فخلتُ سحاباً ممطراً وبريقـــــــــــا
فأملت أن يسقى به عاطش المنى وعود رجائي كي يعودَ وريقـــــا
فما كان إلاّ خُلّبــــــــــاً ولموعـــــــــــــه لهيبُ سمومٍ عادَ فيه حريقـــــــا
وما جئتكم إلا لأنيَ واثـــــــــــــــــــــــقٌ بحبلِ رجاءٍ كانَ فيــــهِ وثيقـــــــــا
فعدتُ ولم أظفرْ بماكنتُ آمــــــــلاَ فليتَ اليكمْ لا قطعـــــتُ طريقـــــا
وفق حرية الرأي والنشر يتم نشر هذه المادة والجريدة غير مسؤولة عما ينشر فيها من مواد واخبار ومقالات
السيمر موقع عراقي مستقل