فيينا / الأربعاء 17 . 09 . 2025
وكالة السيمر الاخبارية
ادم علي
في منتصف شهر آب/ اغسطس، ضجت وسائل الاعلام العراقية بقوائم مئات المستبعدين من الانتخابات “لانتمائهم الى حزب البعث او قيودهم الجنائية أو طبيعة سيرتهم”، بينهم محافظون سابقون، نواب معروفون، ومسؤولون في مفاصل عديدة بالدولة.
حمل التصور الأولي أن المستبعدين كما جرت العادة من القوائم العربية السنية، قبل أن تأتي المفاجأة ان أكثر من نصفهم من القوى الشيعية الحاكمة.
طوال عقدين من الزمن، ظل شعار “منع عودة حزب البعث” يتكرر في الخطاب السياسي العراقي، وعد واحداً من ثوابت القوى الشيعية التي تواجه بها خصومها خاصة من القوى العربية السنية، لكن الشعار كثيرا ما كان يسقط أمام شخصيات تتقلد مناصب عليا رغم انتمائها السابق لحزب البعث، فلا قانون كان يستبعدها ولا إجراءات تطالها.
وطالما كررت القوى السنية، أن “تهمة” الانتماء لحزب البعث، مجرد حجة لإبعاد بعض شخصياتها المؤثرة من الترشح لمناصب عليا أو لمجلس النواب ومجالس المحافظات، لأن خطابها او مصالحها لا تتوافق مع مصالح القوى الشيعية النافذة في السلطة، في حين كان مرشحون آخرون معروفون بانتمائهم للبعث تتجاوزهم إجراءات الاستبعاد لأن قوى السلطة راضية عنهم.
“بات كل شيء واضحاً، منع عودة البعثيين مجرد دعاية سياسية، هذا ما كشفته الاستبعادات الأخيرة من الترشح لانتخابات مجلس النواب، فعدد المستبعدين الذين ضمتهم قوائم القوى الشيعية التي تحذر يومياً عبر وسائل إعلامها وجيوشها الإلكترونية من عودة البعث ومن يساندونهم، كان أكبر من عدد المستبعدين لذات السبب من القوى السنية”، يقول الناشط المدني شوان أحمد. ويضيف “هم ذاتهم من استثنوا بعثيين سابقا، وهم من افرجوا عن فاسدين كبار ومجرمين وارهابيين من خلال قانون العفو”.
وأقدمت المفوضية العليا المستقلة للانتخابات، على إبعاد مئات المرشحين من المشاركة في الانتخابات البرلمانية المقرر إجراؤها في 11 تشرين الثاني/نوفمبر 2025 عملاً بقانون اجتثاث البعث، أو بسبب قيود جنائية، واتضح أن نحو نصف المبعدين ينتمون إلى الأحزاب والكتل الشيعية الحاكمة.
تلك الأرقام من المستبعدين أثارت جدلاً واسعاً، إذ يرى البعض أن “إجراءات الاجتثاث” جاءت متأخرة وأنها افتقرت في الماضي إلى الصرامة واستخدمت فقط كأداة لمصالح جهات نافذة، كما شككت في توجهها الجديد “قد تكون مجرد مناورة سياسية” لن تتضرر منها القوى التقليدية نتيجة احتفاظها بجمهورها.
ورأى آخرون انها تحمل مؤشرا خطيراً، باستعداد القوى الشيعية لإحتضان كبار البعثيين والاستعانة بهم لمجرد تحقيق مكاسب انتخابية تبقي نفوذها في السلطة.
تأسست هيئة (اجتثاث البعث) بعد سقوط نظام حزب البعث العربي الاشتراكي بزعامة صدام حسين في 2003، ثم تغير اسمها سنة 2008 ليصبح هيئة (المساءلة والعدالة)، استنادا إلى المادة السابعة من الدستور العراقي التي تحظر حزب البعث وتجرم رموزه. وهي تقوم بمراجعة المرشحين للمنصاب العليا، وتستبعد كل من كان بدرجة عضو فرقة فما فوق في صفوف نظام البعث.
بين الدعاية والوقائع
توافقت نتائج إجراءات مفوضية الانتخابات، مع تخوفات نخب سياسية من تجدد حضور حزب البعث أو في الأقل جزء من المنتمين إليه في المشهد العراقي، وهذه المرة عبر البوابة الشيعية، فقد توقع رئيس مجلس النواب الأسبق سليم الجبوري، في تصريح صحافي أدلى به في 21 تشرين الثاني 2024، عودة حزب البعث إلى العراق “بدعم شيعي”.
في حين حذر رئيس ائتلاف دولة القانون، والرئيس الأسبق للوزراء نوري المالكي، في مرات عديدة من مخاطر “أي تساهل مع البعثيين”، عادا ذلك “تهديداً مباشراً للمسار الديمقراطي”.
وذكر المالكي في بيان صدر في 8 آب/أغسطس 2025 أن الدستور العراقي “يحظر حزب البعث ويمنع رموزه من العودة إلى العمل السياسي، وأن أي انتماء له جريمة لا تسقط بالتقادم”.
وقدم نفسه كخط دفاع ضد عودة البعث، مؤكدا أن “الهيئة الوطنية للمساءلة والعدالة هي الجهة القانونية المختصة بكشف انتماءات البعثيين ومنعهم من الترشح أو تقلد المناصب”.
وحذر زعيم حزب الدعوة، اقدم الأحزاب الشيعية العراقية، من أن التغاضي عن تطبيق هذه الإجراءات قد يفتح الباب أمام اختراق مؤسسات الدولة من قبل البعثيين، ما يعيد الفكر البعثي عبر القنوات السياسية والأمنية والاقتصادية.
في ذات الوقت ظهرت في قائمة ائتلاف دولة القانون الانتخابية 8 مرشحين، شملوا بإجراءات اجتثاث البعث وتم استبعادهم.
ووفقاً لإحصاءات المفوضية العليا للانتخابات الصادرة في 28 آب 2025، بلغ عدد المستبعدين من القوائم الشيعية عموماً 151 مرشحاً، توزعوا بين “منظمة بدر” بقيادة هادي العامري بـ28 مرشحاً، وتحالف “العمق الوطني” بقيادة خالد الأسدي بـ16 مرشحاً، وحركة “صادقون” بقيادة قيس الخزعلي بـ16 مرشحاً، وتحالف “خدمات” بقيادة شبل الزيدي بـ16 مرشحاً، وتحالف “أبشر يا عراق” بقيادة همام حمودي بـ11 مرشحاً، وتحالف “قوى الدولة الوطنية” بـ13 مرشحاً.
فيما ضمت قوائم حركة “حقوق” التابعة لكتائب حزب الله 11 مرشحاً، وتحالف “الأساس العراقي” بقيادة محسن المندلاوي 13 مرشحاً، وحركة “سومريون” بقيادة أحمد الأسدي 6 مرشحين، وائتلاف “الإعمار والتنمية” برئاسة رئيس الوزراء محمد شياع السوداني 8 مرشحين، إضافة إلى “إشراقة كانون” بـ3 مرشحين، بينما تم استبعاد مرشح واحد من كل من حزب “الماكنة” وحزب “تصميم”.
بالمقابل بلغ عدد المستبعدين ضمن إجراءات المساءلة والعدالة فيما يخص القوى السياسية الأخرى، 140 مرشحاً سنياً، 13 كردياً و6 من مرشحي الأقليات.
أما الاستبعادات الأخرى غير المتعلقة باجتثاث البعث، فقد شملت 128 مرشحاً بسبب قيود جنائية، وأربعة مستبعدين بتهم التزوير و15 لملفات تتعلق بمجلس القضاء الأعلى، و34 بسبب نقص الوثائق الدراسية، 170 طلب استبدال من القوائم، و20 لأسباب أخرى، ليصل مجموع المستبعدين إلى 681 مرشحاً من أصل 7622 مرشحا يتنافسون على 329 مقعدا برلمانيا.

الإطار أعادوهم للدولة
النائب عن تحالف الفتح، مختار الموسوي، انتقد الإطار التنسيقي بشدة، بقوله “الإطار نفسه هو من أعاد البعثيين إلى مفاصل الدولة والآن يتم استبعادهم من الانتخابات، رغم أن هناك وزراء ووكلاء وزراء ومدراء عامين كانوا منتمين سابقاً لحزب البعث وما زالوا يشغلون مواقعهم”.
والإطار التنسيقي هو التحالف السياسي الشيعي الأبرز حالياً، تأسس في أكتوبر 2021 من قبل قوى شيعية بهدف تشكيل حكومة توافقية، و يُعد مظلة تجمع معظم الأحزاب والقوى السياسية الشيعية باستثناء التيار الصدري، ومن أبرز القوى المنضوية فيه “ائتلاف دولة القانون، تحالف الفتح، وتيار الحكمة الوطني”.
ويعتقد الموسوي، بان إجراءات الاستبعاد “جاءت متأخرة، لأنها حصلت بعد تغلغل البعثيين في مواقع مهمة بالدولة” على حد تعبيره. وطالب بتصفية شاملة للبعثيين من جميع مؤسسات الدولة:”وليس مجرد استبعادهم من قوائم المرشحين”، محملًا قادة الإطار ما وصفه بـ”مسؤولية هذا الواقع الخطير”.
وتابع يقول: “ما يجري حاليا لا يعكس نية حقيقية لإخراج البعثيين من العملية السياسية، فالإطار التنسيقي لا يزال يعمل على تعيينهم، وإجراءات المفوضية تظل غير كافية ما لم تتبعها إصلاحات إدارية جذرية”.
عضو مجلس النواب، أمير المعموري، هاجم بدوره قوى الاطار لسماحها بتغلغل البعثيين في مواقع عليا بالدولة طوال السنوات الماضية. وقال إن استبعاد المرشحين “لم يستهدف السنة فقط، بل كان العدد الأكبر من المستبعدين من الشيعة أنفسهم”. وتابع متهكماً:”الإطار التنسيقي الشيعي رشح معظم هؤلاء البعثيين للانتخابات، إنها لكارثة كبيرة حقا”.
ولم يستبعد المعموري، أن يتم في المستقبل “تشكيل كتلة بعثية داخل البرلمان للمرشحين المنتمين للبعث”، وتسائل:”هل انتفت الكفاءات العراقية ولم يبق أمامنا سوى هؤلاء الذين هم بدرجة عضو فرقة في حزب البعث لكي يتم ترشيحهم في الانتخابات؟”.
لم تقتصر الانتقادات التي طالت قوى الاطار التنسيقي، على السياسيين الشيعة، فرجل الدين جعفر الإبراهيمي، قال:”القيادة القطرية البعثية كلها مرشحة معهم”.
والقيادة القطرية كانت تمثل التشكيل الأبرز في قيادة حزب البعث داخل العراق.
التأكيد القانوني وحق الطعن
حرصت الجهات القانونية والمفوضية العليا للانتخابات على توضيح الإطار القانوني الذي تحكم به الإجراءات، مؤكدة أن العملية تتم وفق نصوص محددة تضمن تطبيق القانون على الجميع دون تمييز.
ويوضح الخبير القانوني علي التميمي ذلك بالقول: “الاستبعادات جاءت وفق قانون رقم 12 لسنة 2018 الخاص بانتخابات مجلس النواب ومجالس المحافظات، والمعدل بالقانون رقم 4 للعام 2020-2023”.
والهيئة القضائية المكونة من ثلاثة قضاة، وفق المادة 20 من قانون مفوضية الانتخابات رقم 31، هي الجهة المختصة بالنظر في الطعون، مشيرا إلى أن “الطعن يقدم خلال ثلاثة أيام من قرار الاستبعاد، وتصدر اللجنة قرارها بعد عشرة أيام، ويكون قطعيا ونهائيا”.
المتحدث باسم المفوضية للانتخابات، عماد جميل، يقول بأن “المفوضية مؤسسة تنفيذية مهمتها تنفيذ القانون، والذي ينص على إرسال جميع أسماء المرشحين إلى جهات التحقق للتأكد من أهليتهم”.
وتشمل هذه الجهات وزارات الداخلية والدفاع والتعليم العالي والتربية، وهيئة المساءلة والعدالة، والأدلة الجنائية، والبيشمركة، والحشد الشعبي، والأمن الوطني، والاستخبارات، ومجلس القضاء الأعلى، وهيئة النزاهة.
ويوضح جميل، أن تلك الجهات تدقق الأسماء وترد بالملاحظات، والمفوضية ملزمة باستبعاد أي مرشح “يرد بحقه ملف من هذه الجهات”. ويضيف: “المفوضية لا تتحمل مسؤولية المرشح مباشرة، بل تضع نظاماً وتعليمات واضحة، وعلى المرشحين قراءة هذه التعليمات قبل الترشح”.
ولفت الى أن كل مرشح يتم استبعاده له الحق في الطعن أمام الهيئة القضائية، التي تفصل في الأمر بطريقة مستقلة وقطعية.
ورقة انتخابية أم صراع داخلي؟
تكشف خلفية استبعاد المرشحين من الانتخابات بموجب إجراءات المساءلة والعدالة عن صراعات عميقة داخل البيت الشيعي نفسه، إذ يرى الباحث السياسي غانم العابد، أن ما يحدث “لا يعكس حملة جادة لمواجهة البعث، بل صراعاً واضحاً بين رئيس ائتلاف دولة القانون نوري المالكي ورئيس الوزراء محمد شياع السوداني”.
ويضيف العابد أن “الخلاف بدأ عندما حاول المالكي في الفترة الماضية، تعديل قانون الانتخابات ليشترط على المسؤولين التنفيذيين ترك مناصبهم قبل ستة أشهر من موعد الاقتراع، في خطوة بدا الهدف منها استبعاد السوداني، وليس تطبيق الاجتثاث بحق البعثيين”.
ويشير إلى أن “النسبة الأكبر من المستبعدين تنتمي لقوى ضمن الإطار التنسيقي، وهو ما ينفي مزاعم مواجهة البعث، ويظهر أن الخطاب الحالي بشأن عودة البعثيين والارهابيين يهدف إلى تخويف الشارع ضمن سياق انتخابي أكثر من كونه التزاما بمكافحة البعث”.
ويستدرك:”قوى الإطار لا تمانع التعاون مع البعثيين إذا كانت هنالك مصالح سياسية مشتركة، أو حقق المرشح مصالحها”.
ويضيف:”وجود البعثيين داخل الإطار التنسيقي ليس جديدا، بل هو مستمر منذ عام 2003، مع التسجيل المتكرر لأسماء مستبعدة شغلت مقاعد نيابية (ومواقق ادارية) في دورات سابقة”، وتساءل:”لماذا لم يتم استبعادهم منذ ذلك الحين”.
القاضي وائل عبد اللطيف، وهو احد المستبعدين من الانتخابات، أتهم الأحزاب بالتحكم في المشهد الانتخابي، قائلا:”الدولة تفتقد الى العدالة”.
وأضاف:”ينبغي تطبيق إجراءات المساءلة والعدالة على الجميع، بعض الأشخاص المشمولين بالقانون غيروا صفاتهم من عضو فرقة في حزب البعث إلى عضو عامل، ما سمح لهم بالمرور دون استبعاد”.
وتابع بأن شخصيات نافذة يفترض شمولها بإجراءات الاجتثاث، لم يتم استبعادها من الانتخابات.
ويرى النائب السابق رحيم الدراجي، أن الاستبعادات المرتبطة بحزب البعث “ليست سوى خدعة انتخابية تهدف إلى إيحاء الجمهور بأن الطبقة السياسية تحارب البعث، بينما الحقيقة تكشف استمرار البعثيين في مؤسسات الدولة ومصادر القرار”.
ويقول: “ما يجري هو استغلال سياسي وانتخابي لورقة البعثيين، لأغراض مرتبطة بالمكاسب الضيقة وليس بمواجهة حقيقية للنظام السابق ورموزه”.
ثم يضيف:”هيئة المساءلة والعدالة كشفت عن أعداد كبيرة من البعثيين الذين تم ترشيحهم، في حين تخاطب القوى السياسية الجمهور بشعارات زائفة مثل أن البعث يخطط للعودة، وأن المشاركة في الانتخابات ضرورية لمنع ذلك”.
قضايا أخرى وقوانين على الرف
الاستبعادات عن الترشح للانتخابات شملت عشرات المسؤولين الحاليين والسابقين وفي مواقع مختلفة، بين وزراء ومحافظين ونواب وموظفين بدرجات عليا، وبقضايا جنائية أو ترتبط بسوء السيرة والسلوك، اضافة الى الانتماء السابق للبعث.
الدورة الحالية شملت حتى نهاية آب أغسطس استبعاد أكثر من 681 شخصًا، مقابل الدورة السابقة التي استبعدت نحو 600 مرشح، وضمت القوائم اسماء معروفة وتشغل مواقع مختلفة في مؤسسات الدولة، في مؤشر على عدم تطبيق القوانين على بعض الشخصيات في السنوات السابقة، خاصة ان شروط الترشح هي ذاتها.
بحسب وثائق المفوضية المتعلقة بالاستبعادات، فإن القاضي وائل عبداللطيف، استبعد لملف يتعلق بنزاهته قبل العام 2003 رغم انه كان وزيرا ومحافظا سابقا، ونائبا لأكثر من دورة، بل ومشاركا في صياغة الدستور العراقي 2005.
كما استبعد احمد الجبوري (أبو مازن) وهو وزير ونائب ومحافظ سابق، ويعد واحدا من أبر القيادات السنية. الى جانب استبعاد وزير الداخلية جواد البولاني، الذي كان أيضا نائبا لأكثر من دورة. وشمل الاستبعاد النائب الحالي ورئيس لجنة الاستثمار النيابية حسن الخفاجي، وخبير الحدود والمياه الدولية اللواء جمال الحلبوسي، والقيادي السني البارز جمال الكربولي الذي يترأس حزب “الحل”، والمحافظ الأسبق لبابل صادق مدلول وهو ايضا نائب سابق، والمحافظ الأسبق لنينوى نجم الجبوري، والمحافظ السابق لكركوك راكان الجبوري، والعديد من المرشحين البارزين، لأسباب مختلفة منها ما يتعلق بقيود جنائية.
وتقضي قواعد الترشح لعضوية مجلس النواب، ان يكون المرشح، حسن السيرة والسلوك، وغير مشمول بعفو سابق عن جرائم فساد مالي او اداري، او جنحة مخلة بالشرف، وهي قضايا متهم بها الكثير من السياسيين العراقيين والتي لم تمنعهم سابقا من الترشح للبرلمان او تسلم مناصب عليا.
كوميديا سوداء
يرى النائب السابق عن تيار الحكمة، حسن فدعم، أن تطبيق القانون الخاص بابعاد البعثيين تأخر في الدورات السابقة، ليتمكن عدد من المرشحين المرتبطين بالنظام السابق من الفوز بمقاعد نيابية، حسب قوله.
ويؤكد فدعم أن “المفوضية بدعم من القضاء وهيئة المساءلة والعدالة، استطاعت هذه المرة تطبيق القانون بدقة، وهو ما يشكل خطوة نافعة للعملية السياسية ويعزز مشاركة الشعب في الانتخابات، إذ تم استبعاد الفاسدين والبعثيين على حد سواء”.
ويقول إن المفوضية تعمل على “تدقيق جميع الأسماء وفق مسطرة واحدة، دون استثناء أو مجاملة أو انحياز لأي طرف”، مبينا أن أغلبية المستبعدين “ينتمون إلى قوى الإطار، ما أثار امتعاض الكثير من القوى الشيعية، إلا أن المفوضية لم تلتفت لهذه الضغوط”، مرجحا أن تظهر أسماء أخرى كبيرة في قوائم المستبعدين قريبا.
ويشدد رئيس لجنة الشهداء والسجناء السياسيين النيابية حسين البطاط، على البعد الرمزي لملف استباعد المرشحين البعثيين من الانتخابات، بقوله: “بعدما طوينا صفحة مظلمة من تاريخ العراق، لن نسمح لأحد بفتح باب العودة إلى ذلك الكابوس”.
ويضيف بنبرة عاطفية: “دماء الشهداء وصرخات الأمهات وأنين السجناء هي أمانة في أعناقنا ولن نتهاون مع كل من يحاول إشراك البعثيين في العملية السياسية”، وأن “أي محاولة لإعادة البعثيين ستقابل بـنار الغضب الشعبي الذي لن يرحم من يتواطأ معهم”.
كلام البطاط يأتي فيما هو مرشح عن ائتلاف دولة القانون، الذي ضمت قوائمه مرشحين من حزب البعث، في مشهد يثير الاستغراب.
المحلل السياسي أياد العنبر، يرى أن “ظهور النسبة الأكبر من البعثيين في قوائم الإطار التنسيقي يوضح أن ملف الخوف من عودة البعث يستخدم كشعار انتخابي بحت وليس كإجراء مبني على مبادئ حقيقية أو توافق مع الواقع”.
ويضيف: “هناك انتقائية واضحة في التعامل مع ملف البعث داخل البيت الشيعي”.
بينما يصف الباحث فارس حرام، المشهد الانتخابي برمته بـ “الكوميديا السوداء”، ويقول:”هذه ليست انتخابات وإنما لعبة يمررها المتحكمون بالسلطة لإعادة تدوير نفس الشخصيات”.
ويرى أن “استبعاد بعض الأسماء قد يكون مجرد طعم لضرب قوى أخرى”، كما يصف الدولة العراقية بأنها:”أشبه بـدولة بلطجة وأسر وأحزاب مسلحة وليست دولة مؤسسات”.
انتقائية المساءلة والعدالة
مصالح بعض القوى المتحكمة بالسلطة هي من رسمت خطوط تطبيق قانون المساءلة والعدالة، وفق ما يراه النائب السابق عبد الرحمن اللويزي، مبينا أن “التطبيق كان انتقائيا، وأن مبدأ “عفى الله عما سلف” استخدم فقط لشركاء محددين “ما يعكس ازدواجية وغياب للعدالة الشاملة”.
ويقول إن تلك الانتقائية “تثير الشكوك حول مصداقية الإجراءات، وأن استمرارها يهدد ثقة الجمهور بالعملية الانتخابية ويضع العراق أمام تحد مزدوج بين فرض القانون وضمان انتخابات حرة ونزيهة”.
يؤكد على الأمر ذاته، عضو مجلس النواب محمد العبد ربه، معربا عن قناعته بان استبعاد مرشحين شاركوا في أكثر من دورة انتخابية بموجب إجراءات المساءلة:”دليل على وجود مجاملات سياسية في الفترات السابقة”.
بل يعتقد أن “الانتخابات لم تكن نزيهة سابقاً، وأن التحكم في نتائجها كان مرتبطًا بالمال والسلاح، ما أفقد العملية الديمقراطية مصداقيتها”.
ويرى ان المفوضية العليا للانتخابات لا تستطيع بمفردها “مواجهة الخروقات، خاصة ما يتعلق منها بشراء البطاقات الانتخابية”، وأن الملف أكبر من قدرتها ويتطلب “حكومة حقيقية نزيهة قادرة على مواجهة التجاوزات، وليس حكومة تقوم هي ذاتها بالخروقات”.
من جانبه، ينبه المرشح المستبعد عن تحالف البديل موسى رحمة الله، الى استخدام القانون كأداة سياسية، ويقول ان المشهد السياسي العراقي “يعيد إنتاج نفسه، إذ تتكرر لعبة استبعاد المرشحين عبر مسارات متعددة تبدأ من وثائق وشروط إدارية، ثم تنتقل إلى معايير الأهلية، قبل أن تتحول إلى تهم الانتماء للنظام السابق أو الخضوع لاجتثاث يستخدم كأداة سياسية أكثر من كونه إجراءً قانونياً”.
ويقول ان النتيجة المرجحة وفق المؤشرات الحالية، تضع العراق أمام سيناريو مزدوج: “إما انتخابات تجرى في موعدها لكنها تفتقد للجوهر السياسي الحقيقي، أو تأجيل متكرر يجعل من العملية برمتها أداة ابتزاز سياسي بين القوى المتصارعة”.
وكان رئيس الوزراء الأسبق، حيدر العبادي، قد هاجم في وقت سابق استخدام “ملف المساءلة والعدالة” في الانتخابات، ووصفه بـ”الصراع غير الشريف”، بالتزامن مع شمول المئات من مرشحي “الفصائل” و”الإطاريين” في خطوة غير مسبوقة بإجراءات “اجتثاث البعث”.
وبحسب العبادي، فإن ملف “المساءلة والعدالة” يأتي ضمن قانون “العدالة الانتقالية”، ويضيف بحزم: “يجب ألا يبقى هذا الملف إلى الأبد”.
وأقر العبادي في حديث متلفز، بوجود “فساد في ملف المساءلة والعدالة”، موضحا :”تمر شخصيات بعثية دون أي اجتثاث عبر الأموال، بينما تشمل شخصيات غير بعثية بإجراءات الاجتثاث لابتزازهم مالياً مقابل رفع أسمائهم، كما أن هناك استغلالاً سياسياً لهذا الملف لضرب بعض الخصوم”.
وتعهدت حكومات متعاقبة في بغداد بإنهاء ملف “اجتثاث البعث”، بما فيها الحكومة الحالية التي يقودها محمد شياع السوداني، لكن حل الهيئة صعب للغاية، وفقا لسياسيين بسبب استنادها إلى مادة دستورية.
وتتعالى أصوات العديد من السياسيين خاصة من المكون العربي السني، بضرورة انهاء الملف. النائب عن نينوى أحمد الجبوري، يقول ان الملف “يمثل جزءاً من المرحلة الانتقالية” ويفترض ان ينتهي، محملا أطرافا سنية رئيسية مسؤولية عدم المطالبة “بتنفيذ الاتفاق السياسي الذي تشكلت الحكومة والبرلمان الحاليين بموجبه، والمتضمن إنهاء عمل الهيئة الوطنية العليا للمساءلة والعدالة”.
ودعا الجبوري مجلس النواب والقوى السياسية للمكون السني بشكل خاص “بعدم عقد أي جلسة دون إدراج موضوع إنهاء عمل الهيئة في جدول أعمال البرلمان، تنفيذاً للاتفاق السياسي الذي صوت عليه المجلس في 27 تشرين الأول 2022”.
لكن عضو الإطار التنسيقي، النائب أحمد الموسوي، يقول أن “حل هيئة المساءلة والعدالة لم يتفق عليه سياسياً، فرغم النقاشات التي جرت بشأن مصير الهيئة، فإن حلها بقي بلا اتفاق”.
ويوضح ان “الهيئة حكومية وليست خاضعة لجهة معينة، وهي تعمل على الفحص لمنع أي تجاوز للقانون من قبل البعثيين ومحاولاتهم للدخول إلى العمل السياسي، وطالما أن المؤشرات تفيد بوجود هذه المحاولات، فإن عمل الهيئة لا بد أن يستمر”.
اعتراف ودفاع
في مواجهة الانتقادات المتزايدة بشأن وجود أسماء مرتبطة بحزب البعث ضمن قوائم القوى السياسية للإطار التنسيقي، برر النائب عن منظمة بدر في مجلس النواب، معين الكاظمي، ذلك بالقول إن “المنظمة عملت على احتواء واستيعاب الطاقات الموجودة في المجتمع، ومن بينهم شريحة الضباط في الجيش السابق الذين كانوا يحملون صفة عضو عامل بحزب البعث”.
ويضيف ان هذه الصفة كانت مفروضة على كل موظف أو منتم إلى الجيش للترقية في موقعه “ولم يكن متوقعا أن تصل إجراءات المساءلة والعدالة إلى من يحملها”.
ويذكر الكاظمي ان عدد المستبعدين من منظمة بدر بلغ 28 مرشحاً لأسباب مرتبطة بعدم إكمال الشهادات أو قيود جنائية أو قرارات المساءلة “هذا لا يعني ان قوائمنا اخترقت من قبل البعثيين، بل سعينا لاستيعاب الطاقات المتوفرة في المجتمع”.
ورغم العدد الكبير من الاستبعادات في قوائم بدر، وهي منظمة يشدد خطابها السياسي على مواجهة البعث والفساد، يعود الكاظمي، فيما يشبه التناقض، للتاكيد على دعم المنظمة لإجراءات المفوضية وهيئة المساءلة “ومعارضتها لتغلغل البعثيين في مفاصل الدولة”.
وتؤيد النائبة عن المنظمة، أمل الأنصاري، تلك الإجراءات وتصفها بالسليمة “لتطهير مجلس النواب من العناصر التي تحاول الوصول إليه لتشريع قوانين تخدم البعثيين القتلة”.
المصدر / نيرج ميديا
وفق حرية الرأي والنشر يتم نشر هذه المادة والجريدة غير مسؤولة عما ينشر فيها من مواد واخبار ومقالات
السيمر موقع عراقي مستقل