فيينا / الأربعاء 25 . 02 . 2026
وكالة السيمر الاخبارية
السيمر :
الصحافة الماجورة عندما تريد تبييض اي صفحة سوداء ..
********
على الرغم من أنها رمز للدمار، فإن الحرب تساهم أيضا في تشكل العلاقات الإنسانية. بمناسبة مرور أربع سنوات على الغزو الروسي لأوكرانيا هذا الثلاثاء، حاورت فرانس24 ماريما كوميدا المؤلفة الأوكرانية لكتاب “الحب في زمن الحرب” (من إصدارات دار لوب 2025).
ويوضح الكتاب بالخصوص كيف تساهم الحرب في تشكيل الحب والتضامن بين الأوكرانيين.
كيف يمكن للمرء أن يحب وسط شكوك الحرب؟ هذا السؤال ذو الأجوبة المتعددة كان محور كتاب مارينا كوميدا “الحب في زمن الحرب” (من إصدارات دار لوب 2025). تجولت هذا الكاتبة الأوكرانية المولودة في سومي في كامل أنحاء البلاد، من إيزيوم مرورا بخاركيف وكييف وصولا إلى سلوفيانسك ولفيف، لإجراء مقابلات ونقل كيف يعيش الأوكرانيون الحب في هذه الفترة العصيبة.
وشاهدت كوميدا أنماطا مختلفة من الحب: حب الوطن والأخوة الرجولية والنسائية بين الجنود والجنديات في نفس الوحدة وحتى حب الأمهات اللاتي انضممن إلى مجموعات الدفاع ضد المسيّرات الروسية حتى لا يضطر أطفالهن يوما إلى حمل السلاح للدفاع عن أوكرانيا. مارينا كوميدا، 41 عاما، قررت هي الأخرى الانضمام إلى الجيش الأوكراني بعد تأليف كتابها.
في المقابل، تسببت الحرب أيضا في عدة حالات طلاق وانفصال. وبعد “طفرة كبيرة” في عدد الزيجات في بداية الغزو الروسي لأوكرانيا في شباط/فبراير 2022، تراجع عدد الزيجات عاما وراء عام. “الحرب تعزز كل التصدعات، إذا ما كانت الروابط متينة فإنها لا تتدمر، ولكن إذا ما كان هناك تصدع، فإنه سيتوسع” تقول آنيا في هذا الكتاب. كما تسبب هذا النزاع في اتخاذ قرارات فورية مع تنظيم زيجات في ساعتين، وهي مدة الرخصة الممنوحة للجنود.
بمناسبة مرور 4 سنوات على حرب أوكرانيا، الثلاثاء 24 شباط/فبراير، تحاورت فرانس24 مع مارينا كوميدا حول الأشكال المختلفة لإظهار الحب وقدرته على تخطي الحدود وحتى الموت.
فرانس24: ما هو الفرق الجوهري الذي لاحظته حول الحب قبل الحرب وبعدها؟
مارينا كوميدا: لم أكن في أوكرانيا عندما بدأت روسيا غزو البلاد في 24 شباط/فبراير 2022. كنت أعيش في فرنسا منذ 17 عاما، لا أعرف بالضبط كيف كانت علاقات الحب قبل الحرب. لم أعرف ذلك إلا بعد عودتي إلى أوكرانيا في كانون الثاني/يناير 2024، عندما بدأت في مخالطة أوكرانيين والتحدث معهم عن الحب والعلاقات.
يتحدث الناس بالطبع عن تغير في شكل علاقاتهم. الانعكاس الأهم للحرب هو أنها تخطف منك المستقبل. من المستحيل التفكير في مشاريع وهو ما يؤثر بشكل بالغ على الطريقة التي يتخذ بها الناس القرارات.
يبدو أن الحرب في أوكرانيا تسببت في عدد كبير من حالات الطلاق لكنها عززت بعض الروابط وسرّعت في تشكل علاقات جديدة. كيف ترين الأمر؟
ذلك صحيح في الاتجاهين. تراجع عدد المواليد بسبب مغادرة الكثير من الناس إلى الخارج. وظهرت تصدعات بين بعض الأزواج: يقول أحد الطرفين إن “هذا الزواج لم يعد يستجيب لتطلعاتي” وينتهي الأمر بالطلاق.
لكن العلاقات باتت تتشكل بسرعة أكبر خصوصا بين الجنود، هناك حاجة طارئة للحياة، الأمر بيولوجي، ومرتبط بالهرمونات والضغط النفسي. يمكن أن تحصل على يوم واحد فقط طيلة ثلاثة أشهر لقضاء بعض الوقت في كييف. وهو ما يجعلك تسارع بالذهاب لمشاهدة معرض أو الذهاب إلى السينما والبعض قد يتزوج.
ساشا وفيكتوريا هما زوجان تحدثت عنهما في كتابي. التقيا في إيزيوم في تشرين الثاني/نوفمبر 2024. تم إرساله إلى الجبهة واختفى هناك. لم تحصل فيكتوريا على أخبار عنه منذ ستة أشهر. تعتقد أنه حي وحر. ولكن يمكن أن يكون ميتا أو أسيرا.
تحدثت أيضا عن الوحدة والحياة الجنسية للجنود؟ ما الذي استنتجته؟
يتجهون بسرعة أكبر إلى صلب الموضوع. عندما تكون جنديا، تكون محروما من الحياة الطبيعية، أخذ حمام أو تلقي الحنان، فإنك تكون صريحا حول احتياجاتك. التقيت رجلا على الجبهة توجد زوجته في بولندا. كان يبحث عن تجارب: معرض، أو حفل فنى أو محادثة في حانة.
تحدثنا عن حياتنا. قلت له إنني أبحث عن لقاءات رومنسية، فيما كان هو يريد ببساطة الرفقة في كل الأنشطة التي اعتاد على ممارستها قبل الحرب.
أندريه هو قائد طائرات مسيرة التقيت به في سلوفيانسك قال لك: “الجيش يستحوذ على جزء كبير منك، والنسبة الصغيرة التي بإمكانك تقاسمها مع شخص آخر لا تكفي لبناء شيء عميق”. هل يعني ذلك فجوة متفاقمة بين الجنود والمدنيين في مستقبل العلاقات بأوكرانيا؟
جزء من ثقافة العائلة في أوكرانيا تتمثل في حماية الأقارب من الحقيقة المرة. سيقول الرجل “لا يمكن أن أحدث امرأتي عما أمر به. لا تريد أن تعرف”. الناس سيكذبون على بعضهم البعض، أي تفادي قول الحقيقة لمن يحبون. الرجال لا يقولون لنسائهم بأنهم على خط الجبهة ويعتقدون أنه لا أحد سيكون قادرا على فهمهم باستثناء زملائهم.
آنيا، كافحت للبقاء، سعيدة في علاقتها مع الجندي توشا. سألتها: “لماذ لا تطرحين عليه أسئلة؟” فأجابت: “لماذا أقوم بذلك؟ كان يروى بعض الأمور عن المعارك والجثث والغارات، وذلك كثير أصلا”.
هذا الفرق في المشاعر المحسوسة يتحول إلى مشكل بين الأزواج. اليوم، توجد كتياب ومحاضرات عبر الفيديو حول طريقة التحدث مع أعضاء القوات المسلحة. التجارب بين الجنود والمدنيين هي مختلفة جدا لدرجة أنه من السهل قول شيء جارح. على سبيل المثال، عندما يتوجه الجندي إلى مهمة، يقول له الناس “اعتن بنفسك”. أُفضّل أن يقال “كن قويا”. بما أنني جندية، لست هنا لحماية نفسي بل لأنجز مهمة.

الحب عابر للحدود، مثلما يظهر كتابك في قصة ليزا الروسية وسلافا الأوكراني. لماذ اخترت التحدث عن قصتهما؟
إذا ما نظرنا لها من فرنسا، فقصتهما يمكن أن تفسر على أنها جسر بين روسية وأوكراني. إلا أن سلافا يؤكد أن ليزا أكثر وطنية (مع أوكرانيا) منه. كان عليهما تجاوز الكثير من العراقيل الإدارية خصوصا بسبب جواز سفر ليزا. أخبرني الزوجان مؤخرا بأنهما ينتظران مولودا. استخدمت قصتهما لإظهار الأمل وليس التراجيديا فقط.
يظهر الحب لدى الأوكرانيين أيضا عبر الحيوانات التي تم إنقاذها في المناطق المدمرة. كيف يمكن تفسير هذا التعلق الكبير بالقطط والكلاب الضالة؟
الحيوانات هي مصدر للحنان. مثلما يقول أولكسندر في كتابي “إذا ما اعتقدتم أن رجلا بالغا لا يحتاج لمن يربت على رأسه في صمت طيلة نصف ساعة، فأنتم مخطئون”. الحيوانات تغطي هذا النقص. في فترة تدريبي العسكري، أقضي باستمرار وقتا مع القطط. كل الناس بحاجة إلى هذه الجرعة من الأوكسيتوسين (هرمون يفرزه الدماغ ويرتبط بأشكال عدة من التعلق بينها الحب، ملاحظة المحرر).
الكلاب يمكن أن تشكل خطرا على خط الجبهة بما أنها يمكن أن تكشف موضع الجنود. أما القطط فيمكن حملها إلى مناطق النزاع. هناك أيضا عدة قصص لرجال ونساء رفضوا مغادرة بيوتهم القريبة من الجبهة لأنهم لا يريدون التخلي عن حيواناتهم.

الحب في زمن الحرب يمكن أن يأخذ أشكالا مفاجئة، تصل إلى حد تجاوز الموت. هل يمكن لك أن تحدثينا عن قصة مارتا وحملها بعد وفاة زوجها؟
كنت بصدد إعداد تقرير حول الإنجاب بمساعدة طبية بعد وفاة الزوج في أوكرانيا. بعثت رسالة إلى مجموعة واتساب لأرامل جنود ماتوا في الحرب. قبلت مارتا التحدث معي وأضافت بأن ذلك سيساعدها في التفكير في كيفية إخبار ابنتها عن ظروف ولادتها.
لم تتوقف مارتا عن الحديث عن الحب. كانت تقول “أفعل ذلك بدافع الحب، حتى لو أنني كنت خائفة. كان يرغب بشدة في طفل، ولم نحصل أبدا على الأجنة دون كل هذه الجهود” عرضت عليَّ فيديوهات لزوجها على الهاتف. من الواضح أن لابنتها نفس شكل عيونه. إنها قصة إنجاب بعد وفاة الزوج، إلا أنها قصة حب قبل كل شيء. الحب لا يموت مع الموت.
وفق حرية الرأي والنشر يتم نشر هذه المادة والجريدة غير مسؤولة عما ينشر فيها من مواد واخبار ومقالات
السيمر موقع عراقي مستقل