أخبار عاجلة
الرئيسية / ثقافة وادب / المهابة والندى سيرة عالم من آل القزويني

المهابة والندى سيرة عالم من آل القزويني

فيينا / الأربعاء  16 . 07 . 2025

وكالة السيمر الاخبارية  

محمد علي محيي الدين

في رحاب الحلة الفيحاء، حيث الأنهار تناغي نخيلها وتهمس بماء الرافدين في أذن التاريخ، ولد عام 1268هـ فتىً سيكون لاحقًا عَلَمًا من أعلام النجف، وقطبًا في فلك الأدب والفقه، هو السيد… بن السيد مهدي القزويني، رابع الأبناء وأصغرهم سنًا، لكنه في الحظوة والفضل كان أوفرهم حظًا، وأرفعهم مقامًا.

نشأ في مدينته الأولى، الحلة، وتشرّب منها مبادئ العلوم الأولى، قبل أن يهاجر إلى النجف الأشرف، مدينة العلم والعلماء، لينهل من معين علوم العربية: نحوها وصرفها، بيانها ومنطقها، ثم يرتقي مدارج الفقه والأصول، متتلمذًا على يدي شقيقيه السيد محمد والسيد ميرزا صالح، ثم متوسعًا على أيدي كبار العلماء كـالميرزا لطف الله المازندراني، والملا محمد الأيرواني، والميرزا حبيب الله الرشتي، حتى غدا يروي عن والده، ويُروى عنه ([1]).

لم تكن النجف في أيامه مجرد مركز ديني، بل كانت كذلك موئل أدبٍ، ومصنع فكر، وملتقى أفئدة، وكانت داره —كما يصفها المعاصرون— ندوةً أدبيةً لا تهجع، وملتقى يجمع بين عبقرية القريض وسكينة الفقه، يرتاده أعلام عصره، أمثال: الشيخ عبد الحسين العاملي، والسيد جعفر الحلي، والشيخ عبد الحسين الجواهري، والشيخ آغا رضا الأصفهاني، والشيخ جواد الشبيبي، والسيد مهدي البغدادي، والسيد علي العلاق، بل وحتى أقرباؤه من أهل الأدب كـالسيد أحمد القزويني والسيد راضي القزويني([2]).

لقد وصفه صاحب الطليعة وصفًا باذخًا فقال :”كان أخف طبعًا من النسيم، وأرسى وقارًا من ثهلان، وأبسط وجهًا من الروض المطلول، وأطلق كفًا من السحاب الهتان، فقيهًا مشاركًا في أغلب العلوم، أديبًا شاعرًا ناثرًا ظريفًا”([3]).

ومن دلائل نبوغه، أن من درس عليه صاروا من الفضلاء المعدودين، وأنه أتم دراسة المعقول والمنقول وهو لم يتجاوز سنّ الكهولة، وكان لا ينقطع عن الدرس والبحث، حتى بعد رحيل أخيه الأكبر إلى الحلة. وفي غربته عن الحلة، ظل الحنين مسكونًا في قلبه، وقد عبّر عن ذلك شعريًا في بيت بعث به من النجف إلى أخيه السيد ميرزا جعفر حينما تعافى من مرضٍ ألمّ به:

    نسيمُ صبا الفيحاءِ أهديتَ لي نشرا…

ويعلّق صاحب الأعيان بأن هذا البيت بيت علم وسيادة، له من المجد والجلالة ما جعله في طليعة الأسر النجفية والحلّية([4]).

لم يكن هذا العالم الجليل فقيهًا وحسب، بل كان أديبًا صاحب نَفَسٍ شعريّ متين، جزيل اللفظ، رقيق المعاني، بل إن شعره العرفاني يكاد يضعه في مصاف المتصوفة الكبار، كابن الفارض. ومن دلائل مكانته في هذا المضمار، ما جمعه السيد مهدي البغدادي من شعره سنة 1329هـ، لا سيما المراسلات والمطارحات التي دارت بينهما، والتي بلغت أكثر من مئة صفحة محفوظة عند الأستاذ صالح الجعفري([5]).

ولم يكن رحيله أقل وقعًا من حياته؛ فقد وافته المنية فجأة في النجف الأشرف ليلة الأحد، 21 من ذي الحجة سنة 1325هـ (وفي رواية أخرى: 1335هـ)، ودفن في مقبرة الأسرة، جنب والده وإخوته. وقد شيّعته النجف كما لم تشيّع أحدًا قبله، فأقفلت أسواقها، وتعطّلت دروسها، وخرج موكب مهيب من طلاب العلم وأهل الفضل في جنازة لم تُشهد لها مثيل في تلك الحقبة. وقد رثاه شعراء كبار، منهم: الشيخ حسن آل حمود الحلّي، والسيد عبد المطلب الحلّي([6]).

وإن من أجمل ما قيل عنه، ما نقله أحد معاصريه الذي رآه في الحلة في نادي أخيه أبي المعز السيد محمد، حين قدم لمعالجة ولده المرتضى قبيل وفاته ببضعة أشهر، فقال فيه: “ما رأيت أملأ منه، وكان كما وصفه السيد في الأعيان، بل وفوق ذلك”([7]).

لقد ترك المترجم تراثًا علميًا يتمثل في: تعليقة على وسائل الشيخ المرتضى الأنصاري في الأصول، رسالة في مقدمة الواجب، حاشية على شرح اللمعة([8]).

وخلّف شعرًا فيه جزالة العرب، ورقة الصوفية، وفكر الأصولي المتأمل، وكان أكثره مراسلات ومطارحات مع إخوته وأهل بيته وأضرابه من الأدباء، وبعضه أنشده في رحلاته، كرحلته إلى الحج سنة 1299هـ برفقة والده وأخيه، حيث نظم شعرًا بعثه من بادية نجد والحجاز إلى شقيقه السيد محمد.

هذا هو العالِمُ الشاعر، الفقيه الظريف، كما رأته عيون زمنه، وكما خلدته أقلامُ المعاصرين… علمٌ من أعلام آل القزويني، واسطة عقدهم، وسيد مجلسهم.

نموذج من شعره :

قطعة بعث بها الى أخيه السيد ميرزا جعفر حين أبل من مرض ، منها :

نسيم صبا الفيحاء أهديت لي نـــشـرا     فأصبحتُ نشواناً ولم أعرف السـكرا

إذا ما أبو موسى اكتسى حلل الشفا     فلستُ أُبالي انني أفقــــدُ العمــــــــــــــرا

خليليّ مرّا بــــــــــي بمــغناه ســــــــــــاعةً     لعلي ألاقي فيه طلعتــــه الغــــــــــــــــــــرّا

على منزل شـــــــــحّ الزمــان بقربـــــــــه     وقد كان في عصرالشبيبة لي وكــــرا

ومن شعره الوجداني قوله :

فأطل إن تشأ لديــــك عذابــــــــــي      أنت صيّرتني قتــــــــــــــــل غــــــرامِ

كلّما رمت قاب قوسين أدنــــــــــو      أخّرتنــي مهابــــــــــــة الإقـــــــــــدامِ

أترى قد أنكــــــــرت مني خصـالاً       يا جميلاً بها كرهتَ مقــــــــــامي

صل ولو بالتعذيب قلبَ محـــــبٍّ      ما بجرح الحبيب من إيـــــــــــلامِ

ضقتُ ممالقيتُ في الحبّ ذرعاً       وحياتي إن ذقتُ فيك حمـــامي

ما بثوب الوجود غيرك موجـــو       دٌ جـــرى في خواطر الأوهــــــــــامِ

كلما مرّ من صدودك يحلــــــــو      صل معنّى فالحب قطعٌ ووصلُ

لك في شرعة الهوى معجزات      هنّ في فتــــرة من الرسل رســــــلُ

آمنت فيك أمة العشق لكـــــن       تحت داج من ليل شعرك ضلوا

قبلة العاشقين أنت ولكــــــــن        كل وجه توجهوا فليصـــــــــــــــــلوا

وكتب الى أخيه السيد محمد من (لينة)متشوقاً الى العراق  :

أين كثبان حاجـــــــر وزرود      من رياض العراق ذات الورودِ

يتضاحكن للغمام فيبكــــــي       بدموع لم يجرها بخـــــــــــــــــــدودِ

أين هذي القفار والمنزل        الوعروهذي الحزون بيداً ببيدِ

من عراص كأنهن نجومٌ         يتــلألأن في الليالي الســـــــــودِ

تلك نجدفلارعى الله نجداً         ورماها بقاصف كثمــــــــــــــــودِ

… ولو نقلنا كل ما في البابليات لطال بنا الحديث جداً .([9])

وله كثير من المراسلات ذكر عدداً منها الخاقاني صاحب شعراء الحلة منها:- قصيدة أرسلها الى الحاج محمد حسن كبة مطلعها :

ما لقلبي تهزه الأشواقُ    خبرينا أهكذا العشّاقُ

– وله مراسلا الشاعر السيد مهدي في ذيل رسالة منها :

أريحوا بالمراسيل الوخـــــــــــــــاد      مخافة أن يطول بها التمادي

وحطوا من غواربها حدوجــــــاً      فقد حنّت بأفئدة صـــــــــــــــوادي

كأن العيس يوم سرت رسيما      توزع في مناسمها فــــــــــــــؤادي

 الخ القصيدة وهي طويلة .([10])

– وله مراسلاً أخاه أبا العز مطلعها :

ويا خلة بالوصل باذلة الصــــدّ    أرى حبها في فــــــــــيّ أحلى من الشهدِ

– وله مراسلاً له أيضا مطلعها:

أرى زمني قد عاد منتظم العقد     وأسفر بالتبشير عن قمر الســــــــــعدِ

– وأرسل الى محمود باشا معاون والي البصرة وقد قدم بغداد يهنيه بالرتبة السامية منها :

ذكا خبر عرفه طيّـــــــــــبٌ      بعودك يا طيب المبتدى

حمدنا شذاه ولكنــــــــــــما      رأيناك من نشره أحمـــدا

– وله مجيباً على قصيدة وردت له من الشاعر السيد مهدي البغدادي مطلعها :

غنياني فما المهى من شعاري     بأغنّ مقرطق نفّــــــــارِ

– وله وقد أرسلها الى بعض اخوته مطلعها :

أيّامنا بك كلّها غــــــــــــــــــــرر      أنت الغمام وجودك المطـــــــرُ

[1] – البابليات، ص. 291

[2] – نفس المصدر

[3] – الطليعة.

[4] – الأعيان، ج27، ص291

[5] – مخطوطة لدى الأستاذ صالح الجعفري

[6] – رواية معاصريه، وذكرها صاحب البابليات

[7] – رواية شخصية لأحد الحاضرين في مجلس السيد محمد القزويني

[8] – صاحب الأعيان.

([9] ) البابليات:3/121-143

([10] ) شعراء الحلة للخاقاني : 2/156-161

وفق حرية الرأي والنشر يتم نشر هذه المادة والجريدة غير مسؤولة عما ينشر فيها من مواد واخبار ومقالات

اترك تعليقاً