أخبار عاجلة
الرئيسية / ثقافة وادب / السيد صالح الأعرجي (الشهير بالحلي) صوت الكلمة وخطيب الوجدان

السيد صالح الأعرجي (الشهير بالحلي) صوت الكلمة وخطيب الوجدان

فيينا / السبت  19 . 07 . 2025

وكالة السيمر الاخبارية  

محمد علي محيي الدين

في واحات العراق الفكرية، وتحديدًا في الضفاف الخصيبة لمدن العلم والبيان، وُلدت قامات لا يَضمُر ذكرُها وإن غابت أجسادها، لأنّها خُطّت لا بالحبر، بل بصدى الكلمة ومضاء العقل. ومن بين هؤلاء يبرز اسم السيد صالح الأعرجي، المعروف بـ”الحلي”، بوصفه أنموذجًا متفردًا لعالمٍ جمع بين الفقه والخطابة، وبين النقد الحاد والروح الحسينية الوثّابة.

ولد السيد صالح في مدينة الحلة سنة 1289 هـ، في بيتٍ يمتد نسبه إلى السلالة الحسينية المطهرة، ويجتمع نسبه من جهة الأب بالسيد إبراهيم ابن السيد محمد، أحد أعمدة الأسرة العلوية في المدينة. ومع أنه نشأ في بيت مشغول بالتجارة والزراعة والمهن الحرة، إلا أن قريبه الوحيد الذي لمع في سماء الأدب والعلم قبلَه كان السيد شوكة ابن السيد إبراهيم، الذي قصد النجف لطلب العلم ثم توفي فيها سنة 1321هـ. وبين صالح وابن عمّه هذا نشبت مشادة قوية في الحلة كانت من الأسباب الرئيسة التي دفعت الأعرجي لمغادرة مسقط رأسه والهجرة نحو النجف الأشرف، وكانت حينها مهوى قلوب طلاب العلم وروّاد المعرفة.

يذكره أحد معاصريه ممن تحدّث معه مذاكرةً في داره بالكوفة، أن السيد صالح هاجر إلى النجف سنة 1308هـ، وكان يومها في ربيع شبابه، التاسعة عشرة من عمره، وقد بدأ دراسته في العربية على بعض أفاضل الفيحاء، ثم أتم علوم اللغة والبيان على يد الشيخ سعيد الحلي والشيخ عبد الحسين الجواهري. كما درس الأصول من كتب المعالم والقوانين عند السيد عدنان بن السيد شبر الغريفي الموسوي والشيخ آغا نور الآسترآبادي، وأخذ الرسائل والمكاسب عند الشيخ علي بن الشيخ باقر الجواهري، ثم حضر أبحاث الفقه العليا لدى الشيخ محمد طه نجف، والشيخ آغا رضا الهمداني، وأخيرًا لدى آية الله العظمى الآخوند الخراساني، صاحب “كفاية الأصول”، الذين أدرج أسماءهم بنفسه في حديثه.

بهذه السيرة العلمية الصارمة والنهل العميق من موارد الحوزة، تهيأ الأعرجي ليكون من الخطباء البارعين، لا في أداء المجالس الحسينية فحسب، بل في التمكن من أساليب اللغة وفنون الإقناع، حتى عُدَّ من الخطباء المميزين الذين يجمعون بين العلم والخطابة، وبين الحس النقدي الرفيع والانضباط الديني.

غير أن الأقدار أرادت أن تكون خاتمته بقدر ما فيها من وجع المرض، حافلة بمشهد من مشاهد الوفاء الجماهيري. ففي أواخر أيامه، سافر إلى مدينة قلعة سكر لإحياء شهر المحرم، فأصابه المرض الشديد هناك، ونصحه الأطباء بالراحة وترك المنبر، لكنه ـ كعادة الكبار ـ لم يُلقِ سمعًا لنصيحتهم، ومضى في رحلته إلى العمارة، حيث اشتدت وطأة المرض عليه، ليعود بعدها إلى الكوفة، حيث وافته المنية ليلة السبت 29 شوال 1359هـ، وقد خيّم الحزن العميق على الأوساط العلمية والشعبية عند وفاته، حتى عُطّلت الأسواق حدادًا عليه، وأقيمت له حفلتان تأبينيّتان، واحدة في النجف والأخرى في داره بـالكوفة، قبل أن يُوارى الثرى في وادي السلام، قرب مقام الإمام المهدي (عليه السلام)، على طريق كربلاء.

وقد سجّل الشيخ علي الخاقاني في موسوعته “شعراء الحلة” جانبًا من سيرة هذا الرجل، فقال:

    “هبط النجف … واتجه إلى طلب العلم من أهله، فأحاط بمقدمات العلوم على أساتذة بارزين منهم الشيخ عبد الحسين الجواهري والشيخ سعيد الحلي، وأخذ الأصول على السيد عدنان السيد شبر والشيخ علي ابن الشيخ باقر آل الجواهري والشيخ ملا كاظم الخراساني صاحب الكفاية، واختلف بدراسة الفقه على أعلام كان أكثر ملازمة لهم جدّنا المرحوم الشيخ علي الخاقاني الكبير المتوفى 1334هـ، والشيخ جواد محيي الدين المتوفى 1322هـ”.([1])

لقد كان السيد صالح الأعرجي لسانًا للحق، ومنبرًا لا يعرف المجاملة حين يتعلق الأمر بقضايا الأمة، وناقدًا لا يتردّد في طرح رأيه، حتى لو أغضب ذلك بعض المترفين من قومه أو مشايعي الجاه. وبذلك، خلد في ذاكرة الناس لا كخطيب فحسب، بل كموقف وكلمة وحضور في الوجدان.

     ونظر الى قصيدة الشاعر السيد جعفر الحلّي في الرثاء ومطلعها:

يا قمر التم الى م الســـــــــــــرار      ذاب محبّوك من الإنتظـــــــــار

فعارضها المترجم قافية ووزناً وألمّ بكثير من معانيها حيث قال:

يا مدرك الثار البدار البــــــدار    شنّ على حرب عداك المغــــــــــــار

ياقمر التمّ     أما   آن  أن     تبدو فقد طال علينا الســــــــــــــرار

في فئـــة لها التقى شـــــــــيمة     ويا لثارات الحسين الشـــــــــــــــــعار

كأنما الموت لهم غـــــــــــــــــادة     والعمر مهر والرؤوس النثــــــــــــار

… وله من قصيدة أخرى في أهل البيت ويخاطب فيها الحسين (عليه السلام) : 

يا ناصر الديـــــــــــن حيث الناس تخذله    أجاب دعواك قلبي قبل آذانــــــــــــي

خوّاض ملحمـــــــــــة حــــــــــــلاّل مشـــــكلة    يلفّ في الروع فرساناً بفرســــــــــانِ

يفني الألوف ولا يخشـى الصفوف إذا    لاقى الســـــيوف بعزم ليس بالواني

يلقى الضيوف بوجـــــــــه باســـــــــم وإذا    ماالحرب شبّت يريهم وجه غضبان

يطير بين السما والأرض ســــــــابحه      إذا  سطا وله  الأيـــــدي جناحــــانِ

… ومن رقيق شعره قوله في رثاء أول شهداء الطفّ من الطالبيين ، علي بن الحسين الأكبر (عليه السلام) :

يا نيراً فيه تُجلى ظلمة الغســــــــــقِ      قد غاله الخسف حتّى انقضّ من أفقِ

ونبعة للمعالي طاب مغرســــــــــــــها      رقّت وراقت بضافي العزّ لا الـــــــــــــورقِ

حر القنا والضباوالشمس أظمـأها      وجادها النبل دون الوابل الغـــــــــــــــــــــدقِ

ياابن الحسين الذي ترجى شفاعته    شبيه أحمد في خلقٍ وفي خُلُــــــــــــــــــــــقِ

أشبهت فاطمة عُمرا وحيـــــــــــــدرة      شجاعة ورســول الله في نطــــــــــــــــــــــــــقِ

… وقال في رثاء القاسم ابن الإمام الحسن السبط (عليه السلام) :

يا دوحة المجد من فهر ومن مضــــــر  قد جفّ ماء الصبى من غصنك النضر

يانجعة الحي من عمرِوالعلى وحمــــى   ذمار سؤددها في البدو والحضـــــــــــــــــرِ

قدغال خسف الردى بدرالهدى فهــــوى   فيا نجوم السما من بعده انتثـــــــــــــــــري

حلو الشبيبة يا لهفي عليــــــــه ذوى      من بعد إيناعه بالعزّ والظفــــــــــــــــــــــــرِ

تحكي خلائقه زهر الربيـــــــع كمـــــــــا      في رقّة الطبع يحكي نسمة الســـــــحرِ

استصغرت سنه الأعـــداء حين دعا      الى البراز فلاقت أعظــــــــم الخطـــــــــــــرِ

كأنّ صاعقة حلّت بهــــــــا وأتـــــــتْ       على الكتائب لم تبـــــــقِ ولم تـــــــــــــــــــذرِ

السمر قد صفقت والبيض قد رقصت    بالبيض ، والخيل غنته عن الوتــــــــــــرِ

… وذكر له نماذج أخر .([2])

([1] ) شعراء الحلة للخاقاني :3/160 بتصرف.

([2] ) انظر البابليات :4/133-143

وفق حرية الرأي والنشر يتم نشر هذه المادة والجريدة غير مسؤولة عما ينشر فيها من مواد واخبار ومقالات

اترك تعليقاً