أخبار عاجلة
الرئيسية / ثقافة وادب / السيد محمد القزويني عالمٌ وشاعرٌ وروحٌ حلّيةٌ مُضيئة

السيد محمد القزويني عالمٌ وشاعرٌ وروحٌ حلّيةٌ مُضيئة

فيينا / السبت   26 . 07 . 2025

وكالة السيمر الاخبارية  

محمد علي محيي الدين

في طاق الحلة، المدينة التي امتزج فيها عبق التاريخ بأنفاس العلماء والشعراء، وُلد السيد محمد القزويني سنة 1262هـ، ثالث أبناء السيد مهدي القزويني، في بيتٍ لا تُطفأ فيه قناديل العلم، ولا تخبو جذوة الوعي. هناك، في تلك الأحياء التي حفظت صوت القرآن وهو يُتلى، والبيان وهو يُدرّس، بدأ الطفل النابه يخطو أولى دروب المعرفة، فتعلم القراءة والكتابة، وراح ينهل من مبادئ العلوم اللسانية على يد الشيخ حسن الفلوجي وغيره من أفاضل الحلة.

لكنّ الحلة، على رحابتها، لم تسع شغفه المبكر، فشدّ الرحال مع أخويه، الميرزا جعفر والميرزا صالح، إلى النجف الأشرف، موطن العلماء والفقهاء. وهناك، حيث الحلقات تزدحم بالعقول النيّرة، قرأ المعاني والبيان والمنطق على يد أخيه الميرزا جعفر، وغاص في أصول الفقه عند الشيخ حسن الكاظمي والشيخ علي حيدر. وما لبث أن عاد إلى الحلة، ليسكن فيها أستاذاً، معلماً، يفتح دروس اللغة العربية لطالبيها، قبل أن يعود إلى النجف مرة أخرى، في سعي لا يكلّ ولا يملّ.

وقد كانت هجرته الكبرى إلى النجف سنة 1293هـ، إذ لازم دروس والده، وأخذ يحضر أحيانًا عند أعلام كبار مثل الملا محمد الأيرواني والميرزا لطف الله المازندراني، فنال إجازة الاجتهاد منهما وهو لما يبلغ الأربعين من عمره. وفي العام التالي، أدى فريضة الحج بصحبة والدته حفيدة الشيخ الأكبر كاشف الغطاء، وفي عودته عُقد له محفلٌ كبير في النجف والحلة، حضره العلماء والشعراء، مُبتهجين بالعلم العائد من بيت الله.

ثم جاء عام 1313هـ، فخرج وفدٌ من الحلة، يضم أشرافها وأعيانها، قاصدين النجف، يلتمسون منه العودة إلى مدينته ليكون مرجعها الروحي. فلبّى دعوتهم، وعاد إلى مدينته استقبالاً لا يُنسى. وقد أرّخ الشاعر الحاج مجيد العطار ذلك قائلاً:

راق الزمان ورقّ منه الطبع والمعـــروف أورقْ

حيث المؤرخ ســــــــرّه بدر على الفيحاء أشــرقْ

أقام السيد محمد القزويني في الحلة مرجعاً دينياً، وركناً للفصل في الخصومات، ومواظباً على صلاة الجماعة والتدريس في الفقه والأصول. لكنه لم يكن فقيهاً وحسب، بل كان رجل إصلاحٍ وهمّةٍ عالية. فجعل من إعادة إعمار آثار أهل البيت ومراقد العلماء هدفًا ساميًا، فسعى لعمارة مقام الإمام علي (عليه السلام) في بساتين الجامعين سنة 1317هـ، وجدّد عمارة مقام الغيبة، وأعاد الحياة إلى مشهد الشمس، الذي قال فيه الشيخ يعقوب:

    مع القول بالخيرات كم لك أرّخوا   مشاهد أفعال بها مشهد الشمس (1320ه)

بل وامتدّ عطاؤه ليشمل بناء مراقد علماء الحلة: آل طاووس، ابن فهد، ابن إدريس، المحقق الهذلي، الشيخ ورام، وغيرهم ممن كادت ذاكرة الزمان تطمس معالم قبورهم. وكتب إلى الشيخ خزعل الكعبي يحثّه على تغطية ضريح القاسم بن الإمام الكاظم بشبّاك فضي، فلبّى الأمير الدعوة، وأبرق إليه بيتي شكرٍ يليقان بمقامه:

سقيتم بني الدنيا بماء نوالكم    وجدّكم في الحشر من حوضه ساقي

فلا زلتم ورداً إلى كل منهـــــل    ولا زال هذا العزّ في بيتكم باقــــي

وكان، كما قال الأستاذ اليعقوبي، رجل محاضراته تُذكّر بـ(الأمالي)، يجمع فيها بين الفقه والتفسير والأدب والنقد والتاريخ، وقد امتاز بفصاحة اللسان، وغزارة الحفظ، وقوة الذاكرة، وكان عظيم القدرة في المناظرات، كثير الاستشهاد بآيات الذكر الحكيم.

وفي مؤلفاته، لم يكن كأبيه كثير التصنيف، إذ كان يراجع ما يكتبه حتى يغيّره، فلا يرضى عنه إلا بعد التمحيص الشديد. ومع ذلك، فقد خلف آثارًا علمية منها: منظومة “حبوة الفرائض” في علم المواريث، بلغت نحو 300 بيت، طُبعت في حياته. رسالة في علم التجويد والقراءات، تميّزت بالدقة والتفصيل. رسالة في مناسك الحج، كتبها بلغة واضحة لتناسب الجميع. طروس الإنشاء، ضمّت قطعًا نثرية ومنظومة في المراسلات بينه وبين كبار أدباء وشخصيات عصره، كآل الآلوسي والنقيب والرصافي والزهاوي وآل الشواف.

في هذا كله، تتجلى شخصية السيد محمد القزويني لا كعالم دين فحسب، بل كرجل نهضة، حمل همّ مدينته وأمتّه، وألّف بين تراثها ومجده الحاضر، بين علمها وأخلاقها، فكان كما قيل عنه: “أقام فيها مرجعاً في الأحكام الشرعية والرئاسة العرفية، وموئلاً للمرافعات، وصلاة الجماعة، ودرّس الفقه والأصول ردحاً من الزمن، وبذل جهوداً جمة في الإصلاحات العمرانية التي كانت الفيحاء في أمسّ الحاجة إليها.

رحل السيد محمد القزويني، لكنه ترك وراءه علماً وعُمراناً، ووجهاً ناصعاً للحلة، مدينة العلماء والأولياء، فسلام عليه يوم وُلد، ويوم رحل، ويوم تُبعث مدينته شاهدة على عطائه.

توفي فجر يوم الخميس خامس المحرم سنة (1335هـ) ونقل جثمانه الى النجف حيث دفن هناك”.

    وأكثر شعره مثنيات ومقاطيع يستخدم فيها النكتة والمحسنات البديعية كالتوجيه والتورية ونظائرهما جمعها وكتب على ظهرها ما نصه :” طروس الإنشاء وسطور الإملاء يشتمل على المراسلات والمخابرات والتحريرات والتقريظات للأقل الراجي عفو ربه الغني محمد القزويني الحسيني آمنه الله تعالى من المحذورات ووفقه لاكتساب الحسنات وترك السيئات آمين ، تنمق في شهر صفر سنة 1323ه. من شعره ما أبرقه لوالي بغداد ناظم باشا بمناسبة جفاف الفرات بهذين البيتين([1]):

قل لوالي الأمر : قد مات الفراتْ        ومضت عنه أهاليــــــــه شتاتْ

أفترضى أن يموتـــــــــوا عطشـــــــاً         وبكفيك جرى ماء الحيــــــــاةْ؟

ومن شعره ما أبرق من الحلّة الى السيد محمد سعيد الحبوبي حين ذهب مع المتطوعين الى الشعيبة أثناء الحرب العالمية الأولى سنة (1333هـ):

نحن بني العرب ليوث الوغــــى        دين الهدى فينا قويّ عزيزْ

لا بدّ أن نزحف في جحفــــــــلٍ         نبيد فيه جحفــــل الإنكليــــــزْ

   وقال مراسلا أخاه العلامة السيد حسين من الكاظمية الى النجف :

بمرقد خير الخلق موسى بن جعفر     ذكرتك لابين الرصافة والجســــرِ

       فان به من منبع العلم أعينـــــــــــــــاً       (جلبن الهوى من حيث أدري ولا أدري)

وقال بعد رجوعه من زيارة مشاهد سامراء الى الكاظمية وقد شطرهما الشاعر حسن القيم :

للعسكريين رحلنا وفــــــــــــــي       حماهما لذنا بكهفيـــــــــنِ

ومذ كسبنا الأجر في منهج     (أمن رجعنا للجوادَيــــــنِ)

(إن فاز من زار إماماً فقد)      فزنا من الأجر بضعفينِ

لأننا من عترة المصطفـــــى      (زرنا إمامين إماميـــــــنِ)

وسمع يوماً قول أحد شعراء النجف المتقدمين في الحرّ الرياحي ( ره ) :

أشر للحرّ من بعد وســــــلم      فإن الحرّ تكفيــــــــه الإشارهْ

فقال رادّاً عليه :

زر الحرّ الشهيد ولا تؤخرْ      زيارته على الشهداء قــــدمْ

ولا تسمع مقالة من ينادي     أشر للحرّ من بُعد وسلّـــــمْ

وقال في المعنى نفسه :

إذا ما جئت مغنى الطف بادر    لمثوى الحرّ ويحك بالرواحِ

وزر مغناه من قرب وأنشـــــد     (لنعم الحرّ حرّ بني ريـــــــاحِ)

[1] – شعراء الحلة – علي الخاقاني، البابليات – محمد علي اليعقوبي عدة أماكن بتصرف.

وفق حرية الرأي والنشر يتم نشر هذه المادة والجريدة غير مسؤولة عما ينشر فيها من مواد واخبار ومقالات

اترك تعليقاً