أخبار عاجلة
الرئيسية / خلونا نسولف / خلونا نسولف

خلونا نسولف

فيينا / الأثنين   20 . 10 . 2025

وكالة السيمر الاخبارية

رسل جمال*

مهرجان الجونة… حين تعود الأزياء إلى عصور ما قبل الوعي

في الوقت الذي ينتظر فيه الجمهور المهرجانات الفنية بوصفها مساحة للتجديد والإبداع في عالم السينما والفن، يتحوّل السجاد الأحمر أحيانًا إلى عرض آخر لا يمت للفن بصلة، بل إلى ساحةٍ للجرأة المفرطة واستعراض الجسد على حساب الذوق والوعي والهوية.

مهرجان الجونة السينمائي في دورته الأخيرة كان مثالًا واضحًا على هذا التناقض، حيث طغت أزياء الفنانين والفنانات على مضمون المهرجان، حتى بدا وكأن الهدف هو إثارة الجدل لا الاحتفاء بالفن.
المفارقة أن كثيرًا من هذه الأزياء تعيدنا، دون قصد، إلى الإنسان القديم الذي لم يكن يملك ما يستر به نفسه سوى جلود الحيوانات، وكانت ملابسه — إن صحّ تسميتها كذلك — مجرد وسيلة للستر لا للزينة أو التفاخر. آنذاك، لم يكن التأنق ضمن أولويات الإنسان البدائي، لأن الوعي الجمالي لم يتكوّن بعد، فالمعيار كان البقاء لا الجمال.
لكن المدهش أن الإنسان الحديث، الذي بلغ ذروة الحضارة والتقدم، عاد اليوم ليستوحي من تلك المرحلة البدائية أكثر صورها انكشافًا! فصار الجسد هو محور العرض، والملابس وسيلة لكشف العيوب بدل سترها. وكأن بعض من يعتلي السجادة الحمراء يريد أن يعلن العودة إلى ما قبل الوعي، حين لم يكن هناك فرق بين إنسان وحيوان سوى اللغة والصوت.
وعند الحديث عن الذوق العام في الملبس، على الإنسان أن يعي أن الحضارة لا تُقاس بجرأة القصّات أو بمدى انكشاف الجسد، بل بقدر ما تحمله المظاهر من احترام للذات وللآخرين. فالتقدّم والرقي لا يعنيان العُري أبدًا، بل على العكس، إن اللباس الساتر والمحتشم هو ذروة الذوق والرقي والجمال، لأنه يجمع بين الأناقة والحياء، وبين الجمال والوقار. ولا يتعارض الستر مع التأنق في شيء، فليس مطلوبًا من الإنسان أن يتعرّى ليبدو جميلًا، فالجمال الحقيقي في الفكرة، في الأسلوب، وفي الطريقة التي نحترم بها أنفسنا قبل أن نطلب إعجاب الآخرين.
إنّ فلسفة اللباس ليست مجرد “قطعة قماش” تُغطّي الجسد، بل هي تعبير عن درجة الوعي التي بلغها الإنسان حين أدرك أنه كائن مختلف، يحمل كرامة يجب أن تُصان، وجسدًا يجب أن يُحترم لا أن يُعرض. فاللباس هو هوية ناطقة، تكشف دون كلام عن فكر الإنسان وذوقه وانتمائه القومي والديني، بل وحتى عن مزاجه وثقافته.
من المؤسف أن تُختزل هذه الفلسفة العميقة في سباق للفت الأنظار، وأن يصبح الجسد سلعة تُروَّج باسم الحرية والحداثة. فالحضارة الحقيقية لا تُقاس بمقدار ما يُكشف من الجسد، بل بمقدار ما يُحترم فيه من كيان الإنسان.

*سكرتير التحرير
بغداد 2025/10/18

جريدة السيمر الاخبارية

www.samar.org

alsaymarnews@gmail.com

وفق حرية الرأي والنشر يتم نشر هذه المادة والجريدة غير مسؤولة عما ينشر فيها من مواد واخبار ومقالات

اترك تعليقاً