فيينا / الخميس 01 . 01 . 2026
وكالة السيمر الاخبارية
شهدت العلاقات بين السعودية والإمارات، وهما من أبرز حلفاء الولايات المتحدة في الشرق الأوسط، تحوّلًا لافتًا من شراكة استراتيجية إلى تنافس وصدام غير معلن، ظهر إلى العلن مؤخرًا على خلفية التطورات في اليمن، وفق تقرير لصحيفة نيويورك تايمز.
وذكر التقرير انه مع صعود الأمير محمد بن سلمان إلى ولاية العهد في السعودية قبل نحو عقد، كان يُنظر إليه في واشنطن باعتباره نظيرًا للشيخ محمد بن زايد، الحاكم الفعلي لدولة الإمارات.
وقدّم الزعيمان نفسيهما آنذاك بوصفهما مصلحين ذوي نهج سلطوي، وتعاونا بشكل وثيق في ملفات إقليمية، أبرزها التدخل العسكري في اليمن عام 2015، إضافة إلى تنسيق المواقف في الأزمة مع قطر.
غير أن هذا التقارب بدأ يتآكل تدريجيًا، ليتحوّل اليوم إلى خلاف متصاعد تقوده رؤى متباينة للنفوذ الإقليمي، والسياسة الخارجية، والدور الاقتصادي في الشرق الأوسط وأفريقيا.
تفجّر الخلاف في اليمن
بلغ التوتر ذروته هذا الأسبوع، عندما استهدفت غارة جوية تقودها السعودية شحنة إماراتية لدى وصولها إلى اليمن، وسط اتهامات سعودية بأن الشحنة كانت تحتوي على أسلحة موجهة إلى جماعة انفصالية مدعومة من أبوظبي.
ونفت الإمارات هذه الاتهامات، مؤكدة أن الشحنة لا تحمل أسلحة، قبل أن تعلن لاحقًا سحب ما تبقى من قواتها العسكرية من اليمن.
ويعد هذا التطور ذروة خلاف طويل بين شريكين سابقين باتا يدعمان أطرافًا متعارضة في اليمن والسودان، ويتبنيان سياسات مختلفة في أسواق الطاقة والاقتصاد الإقليمي.
تداعيات إقليمية ودولية
ونظرًا للثقل السياسي والاقتصادي للبلدين، باعتبارهما من كبار مصدري الطاقة عالميًا ومالكي صناديق سيادية ضخمة، فإن هذا الانقسام يثير قلقًا دوليًا واسعًا، لما له من تأثير محتمل على الأسواق العالمية والاستثمارات والمفاوضات السياسية الحساسة.
وفي واشنطن، مثّل الخلاف مصدر إرباك للإدارة الأمريكية، حيث أجرى وزير الخارجية ماركو روبيو اتصالات مكثفة مع المسؤولين السعوديين والإماراتيين لاحتواء التصعيد، خاصة في ظل تعويل الولايات المتحدة على دور البلدين في ملفات إقليمية معقدة، أبرزها غزة و”إسرائيل”.
انقسام جوهري قائم
وتقول ياسمين فاروق، مديرة مشروع الخليج والجزيرة العربية في “مجموعة الأزمات الدولية”، إن “لا أحد في الخليج يريد أن يرى أزمة خليجية جديدة، ولذلك لدى الجميع مصلحة في احتواء هذا التصعيد، ومع ذلك، يبقى الانقسام الجوهري قائمًا”.
وانتهج الأمير محمد بن سلمان سياسة خارجية هجومية في سنواته الأولى، وأطلق حملة القصف في اليمن بعد أشهر قليلة من تعيينه وزيرًا للدفاع، لكنه منذ ذلك الحين سعى إلى تهدئة الصراعات الإقليمية في إطار سعيه لتحقيق أجندته الاقتصادية الداخلية.
وعلى النقيض من ذلك، تحوّلت الإمارات إلى لاعب إقليمي متمرّد ذي طموحات تبدو إمبراطورية، وساعدت خلال الولاية الأولى لترامب في هندسة سلسلة من الاتفاقات التي طبّعت بموجبها الإمارات والبحرين والمغرب علاقاتها مع إسرائيل، في خطوة كسرت سياسة طويلة الأمد التزمت بها العديد من الدول العربية.
أدوار متباينة في أفريقيا والسودان
كما لعبت الحكومة الإماراتية دورًا متزايد النشاط خارج الإقليم، واستثمرت بكثافة في أفريقيا. وواجهت الدولة خلال الأشهر الأخيرة موجة انتقادات دولية بسبب دورها المزعوم في السودان، إذ اتُّهمت بدعم “قوات حميدتي”، ضد قوات البرهان في حرب أهلية مدمّرة.
وكان مسؤولون إماراتيون قد نفوا تقديم أي دعم لتلك القوة، غير أن الأدلة على ذلك موثقة على نطاق واسع.
وفي المقابل، دعمت السعودية قوات البرهان، واستضافت محادثات سلام بين طرفي الصراع.
وضغط الأمير محمد بن سلمان على الرئيس ترامب خلال زيارة إلى الولايات المتحدة في نوفمبر، للمساعدة في التوصل إلى اتفاق سلام في السودان، ومن شأن أي انخراط محتمل لإدارة ترامب أن يضاعف الضغوط الدولية المفروضة على الإمارات بسبب الملف السوداني.
وقال ماركو روبيو في نوفمبر، في إشارة إلى الأطراف المنخرطة في السودان: “هناك من يموّلهم، وهناك من يزوّدهم بالسلاح، ونحن نعرف من هم”.
اختلاف الرؤى وطبيعة القيادة
وتقول ياسمين فاروق إن الإمارات في السنوات الأخيرة “تخصّص أدواتها المالية والعسكرية المتنامية لتحقيق طموحاتها الجيو-اقتصادية عبر إسقاط نفوذها”، في حين ركّزت السعودية على احتواء الأزمات الإقليمية وإدارتها.
وقال أنور قرقاش، المسؤول الإماراتي البارز، في مقابلة مع شبكة “سي إن إن” في تشرين الثاني: “نحن دولة مؤثرة في المنطقة، وربما لا يعجب ذلك البعض، لكن الحقيقة أننا كذلك، وبناءً على ذلك، لدينا رؤية إقليمية لما نريد أن نراه في الدول من حولنا”.
ووصف بدر السيف، الأستاذ المساعد في جامعة الكويت، خطوط التصدّع بين البلدين بأنها “اختلاف في الرؤى للعالم”، مشيرًا إلى أن “تحركات الشيخ محمد بن زايد تبدو مدفوعة باعتبارات أيديولوجية، من بينها معارضته للإسلام السياسي، الذي يراه تهديدًا للمنطقة”.
وعلى النقيض من ذلك، يُنظر إلى الأمير السعودي على أنه براغماتي لا يرحم، مستعد لتغيير مواقفه السياسية كلما اقتضت الضرورة، ويبدو أن اختلاف العقليات وقوة الشخصيتين جعلا الاصطدام بينهما مسألة وقت لا أكثر.
مؤشرات الخلل والمنافسة الاقتصادية
وكان أول مؤشر علني على وجود خلل في العلاقة قد ظهر عام 2019، حين سحبت الإمارات معظم قواتها من اليمن تحت ضغط الانتقادات الدولية، لكنها واصلت دعم المجلس الانتقالي الجنوبي، الذي بدأ القتال علنًا ضد الحكومة اليمنية.
وبعد ذلك بفترة وجيزة، احتدم التنافس الاقتصادي بين البلدين، مع سعي الأمير محمد بن سلمان لتحويل السعودية إلى مركز عالمي للأعمال والذكاء الاصطناعي والسياحة، ما شكّل تهديدًا محتملًا لدبي.
وفي عام 2021، بدأت السعودية الضغط على الشركات الدولية لنقل مقارها الإقليمية من دبي إلى الرياض، ملوّحة بحرمان غير الممتثلين من العقود الحكومية.
اليمن… ساحة الصدام الأبرز
وكانت أعنف المواجهات بين البلدين في اليمن، حيث اجتاحت قوات المجلس الانتقالي جنوب وشرق البلاد في كانون الأول، وسيطروا على مناطق واسعة غنية بالنفط، وأعلنوا نيتهم إقامة دولة منفصلة.
ولا يزال سبب دعم الإمارات لهذه الجماعة غير واضح، غير أن محللين يرجّحون سعي أبوظبي لبسط نفوذها على موانئ يمنية تقع على طرق تجارة عالمية حيوية، فيما تقول الإمارات إنها تدعم حق اليمنيين في الأمن وتقرير المصير.
في المقابل، وصف مسؤولون سعوديون تحركات المجلس بأنها تهديد مباشر لأمن المملكة، واتهمت وزارة الخارجية السعودية الإمارات بالضغط على الجماعة لشن هجومها الأخير، وهو ما نفته أبوظبي.
المصدر / العهد نيوز
وفق حرية الرأي والنشر يتم نشر هذه المادة والجريدة غير مسؤولة عما ينشر فيها من مواد واخبار ومقالات
السيمر موقع عراقي مستقل