فيينا / الأثنين 09 . 02 . 2026
وكالة السيمر الاخبارية
في ساعات الذروة، لم تعد أزمة بغداد المرورية مجرّد ازدحام اعتيادي يمكن تبريره بكثرة السيارات وضيق الشوارع. ما وصل إلى “بغداد اليوم” من صور ومقاطع فيديو وشهادات مواطنين يضع أمام الرأي العام قصة مختلفة تمامًا: تقاطعات تُختطف لحظيًا من الدولة، وتُدار بأوامر حمايات أحزاب ومسؤولين، فيما يقف شرطي المرور متفرّجًا أو مكسور الخاطر، يرفع يده للمواطن ويهمس له: “ما بيدنا شيء.. أوامر من فوق”.
تقاطعات تحت سيطرة “الزي الأسود”
بحسب ما حصلت عليه “بغداد اليوم” من مواطنين، فإنّ عدّة تقاطعات حيوية في جانب الرصافة تحوّلت خلال الفترة الماضية إلى نقاط نفوذ فعلية لحمايات الأحزاب والمسؤولين، خصوصًا:
-تقاطعات الطابقين في الجادرية
-تقاطع الحرية
-عدد من مداخل الكرادة والجادرية المؤدية إلى المنطقة الخضراء
الشهادات المتطابقة تفيد بأنّ عناصر يرتدون زيًا أسود موحّد، لا يحمل أي إشارة رسمية تدل على تبعيته لقوة أمنية معروفة، يتولّون عمليًا إدارة الحركة في لحظات معيّنة: يوقفون هذا الممر نهائيًا، يفتحون ممرًا آخر، يقطعون الطريق على المواطنين ويُبقون مسارًا واحدًا فقط، بانتظار مرور رتلٍ “مجهول الهوية” رسميًا، معروف الهوية سياسيًا وحزبيًا.
مواطنون تحدّثوا لـ”بغداد اليوم” عن سيارات دفع رباعي مظلّلة بالكامل، بلا لوحات واضحة في بعض الأحيان، تتقدمها وتتبعها عربات حمايات تحمل السلاح، بينما يتراجع شرطي المرور خطوتين إلى الخلف، وكأنّ مهمته تنتهي بمجرد وصول “الرتل”. في تلك اللحظات، لا تعود الإشارة الضوئية، ولا تعليمات المرور، هي المرجع؛ بل إشارة يد من شخص بزي أسود، لا يحمل أي شارة رسمية، لكنها عمليًا أقوى من كل القوانين في تلك البقعة من الشارع.
شرطة المرور: “نعرفهم.. لكن لا نملك أمامهم شيئًا”
المواطنون الذين وثّقوا هذه الحالات نقلوا لـ”بغداد اليوم” أن بعض مروريي التقاطعات في الجادرية والكرادة لم ينكروا الحقيقة، بل قالوها بصراحة: “هؤلاء تبع أحزاب ومسؤولين”. أحدهم أشار، بحسب رواية مواطن، إلى مجموعة من أفراد الحماية وهم يقطعون الطريق، وقال بمرارة: “نحن نعرفهم، لكن عندنا أوامر بتسهيل مرورهم.. وما نكدر نسوي شيء”.
الأخطر في هذه الشهادات أنّ شرطة المرور، المفترض أنّها الجهة المسؤولة عن إدارة الحركة وفرض القانون على الجميع بلا استثناء، تصبح عمليًا مجرّد “شاهد رسمي” على تعطيل القانون نفسه:
-تقاطعات تُغلق بالكامل أمام المواطنين لتمرير رتل حزبي أو مسؤول.
-مسارات تُقطع كي يمر “الموكب” بثوانٍ أقل، فيما تمتد طوابير الانتظار خلفه لمئات الأمتار.
-ازدحامات تمتد لساعات في الجادرية والكرادة باتجاه مداخل المنطقة الخضراء المزدحمة أصلًا بمقرات أحزاب وقوى سياسية.
في هذه اللحظة، لا يعود المواطن قادرًا حتى على التمييز: هل هذا رتل مسؤول من “الدرجة الأولى”؟ أم مجرد مواكب حزبية لا تحمل أي صفة دستورية؟ السيارات متشابهة، الزي واحد، السلوك نفسه: الجميع فوق القانون، والجميع يمر من فوق أعصاب الناس وأوقاتهم وكرامتهم.
عدالة السير أم امتيازات السلطة؟
السؤال الذي يفرض نفسه هنا ليس فقط: “من هؤلاء؟”، بل “أيُّ عدالة سير يمكن الحديث عنها في بلد تُدار تقاطعاته بأوامر حزبية؟”. منطق قانون المرور يقول إنّ الطريق ملك عام، وإنّ أولوية المرور تُنظّم وفق قواعد معلنة للجميع، باستثناء حالات الطوارئ كالسيارات الإسعافية أو حالات محددة جدًا تنظمها القوانين. لكن ما يجري في الجادرية والكرادة، بحسب شهادات المواطنين والصور والمقاطع التي وصلت إلى “بغداد اليوم”، يكشف عن واقع مختلف:
-حماية حزبية بلا شارات رسمية، تمسك بالتقاطع كأنّه سيطرة تابعة لها.
-تعليمات تصدر إلى شرطي المرور من “جهات عليا” لتسهيل وقوف الحمايات في قلب التقاطع.
-تقطيع متعمّد لبعض الممرات لصالح ممر واحد يمر فيه الرتل، ولو على حساب مئات السيارات المنتظرة.
هذا السلوك لا يخلق أزمة مرور فقط، بل يكرّس في ذهن المواطن فكرة أخطر بكثير: أنّ المسؤول والحزب فوق القانون، وأنّ “الحق في المرور” ليس حقًا عامًا، بل امتيازًا سياسيًا يُمنح لمن يملك رتلًا وحماية وسلاحًا.
شلل يومي.. وثمن يدفعه المواطن وحده
النتيجة العملية لهذا النمط من السيطرة على التقاطعات هي شلل مروري يمتد في بعض الأحيان لساعات، وفقًا لشهادات الأهالي في الجادرية والكرادة:
-موظفون يتأخرون عن دوائرهم وامتحاناتهم ومواعيدهم الطبية لأنّ “رتلًا مرّ من هنا”.
-إسعافات وسيارات طوارئ تعلق وسط طوابير الانتظار، بينما يُفرش الطريق أمام موكب حزبي.
-مواطنون يلتفون من شارع إلى آخر هربًا من التقاطعات المشلولة، فيصطدمون بزحام مماثل عند نقطة أخرى من “طريق المسؤول”.
كل ذلك، لأنّ مسؤولًا قرر أن يدخل المنطقة الخضراء من هذا المدخل لا ذاك، أو لأنّ حزبًا فضّل أن يمر رَتله من الجادرية بدلًا من طريق آخر.
هنا لا يعود الازدحام قدرًا سيئًا، بل نتيجة مباشرة لقرار سياسي – أمني يُعطي الأفضلية المطلقة لمرور “النخبة الحزبية” على حساب آلاف المواطنين العاديين، دون أي إطار قانوني علني ينظّم ذلك أو يبرّره.
سؤال إلى الحكومة ووزارة الداخلية والمرور
ما جرى توثيقه من مواطنين لا يمكن التعامل معه على أنّه “حالات فردية” أو “تصرفات شخصية”، لأنّه يتكرّر في أكثر من تقاطع، وفي أكثر من ساعة، وبنمط واحد تقريبًا: رتل حزبي أو رسمي، حماية بزي أسود بلا شارة، شرطة مرور تؤكّد أنّهم “تابعون للأحزاب والمسؤولين”، وشارع يُشلّ بالكامل إلى أن يعبر “الموكب”.
من حق الرأي العام أن يسمع إجابة واضحة من:
-وزارة الداخلية: هل هذه القوى تابعة رسميًا لأي جهاز؟ ولماذا لا تحمل شارات أو تعريفات واضحة؟
-مديرية المرور العامة: ما هي التعليمات الموجّهة لمروريي التقاطعات تجاه هذه الحمايات؟ وهل يُسمح فعليًا لغير رجال المرور بإدارة الحركة في الشارع العام؟
-رئاسة الوزراء: هل هناك توجيه سياسي صارم بأن لا تُقطع الطرق لصالح المواكب إلّا في الحدود القصوى؟ أم أنّ الأمر متروك لاجتهاد الحمايات والأحزاب؟
العدالة في الشارع.. تبدأ من الإشارة الضوئية
الشارع ليس مجرّد إسفلت وكتلة سيارات عالقة في الزحام؛ هو المكان اليومي الذي يختبر فيه المواطن معنى العدالة من عدمها. حين يقف لساعات لأنّ “رتلًا” يمر، وحين يرى شرطيًّا عاجزًا عن فرض القانون أمام حماية حزبية، وحين تُدار التقاطعات بأوامر غير مرئية من “جهات عليا”، فإنّ كل شعارات الإصلاح وبناء الدولة وسيادة القانون تتبخر عند أول إشارة ضوئية.
القضية هنا ليست غضبًا من زحام، بل سؤال عميق عن طبيعة السلطة في العراق: هل هي قانون مكتوب يسري على الجميع؟ أم أرتال وحمايات تستطيع اقتطاع جزء من الشارع العام وتحويله إلى ممر خاص كلما أرادت؟
ما وثّقه المواطنون في الجادرية والكرادة يضع ملفًا جديدًا على طاولة الحكومة ووزارة الداخلية والمرور: ملف العدالة في الشارع، وفوقية المسؤول، وحدود نفوذ الأحزاب في الفضاء العام. والشارع ينتظر جوابًا لا لبس فيه: من يحكم الطريق في بغداد؟ القانون.. أم “الزي الأسود”؟
وتشير “بغداد اليوم” إلى أنّها، بعد توثيق الشكاوى والصور والمقاطع من المواطنين، تواصلت مع مديرية المرور العامة لعرض ما يجري في تقاطعات الجادرية والكرادة، غير أنّ الرد الرسمي أفاد بعدم وجود أية مخالفات في تلك المواقع، وأنّ ما يحصل “أعمال صيانة” لا أكثر. هذا الجواب جاء رغم تزويد المديرية برقم مفوض مرور يقف في أحد التقاطعات، كان قد تحدّث إلى مواطنين وأبلغهم بأنّ العناصر بالزي الأسود “تابعون لأحزاب ومسؤولين”، ما يعمّق الفجوة بين ما يراه الناس في الشارع وما تعترف به الجهات المعنية في مخاطباتها الرسمية.
تقرير: محرر قسم الشؤون الأمنية في بغداد اليوم
وفق حرية الرأي والنشر يتم نشر هذه المادة والجريدة غير مسؤولة عما ينشر فيها من مواد واخبار ومقالات
السيمر موقع عراقي مستقل