فيينا / الجمعة 27 . 02 . 2026
وكالة السيمر الاخبارية
أصبح تشارلز كوشنر، سفير الولايات المتحدة لدى فرنسا، مؤخرا محور جدل بعد تجاهله استدعاء من وزارة الخارجية بسبب تعليقاته على مقتل شاب فرنسي منتمٍ لليمين المتطرف. وليس كوشنر الوحيد من بين السفراء المعينين في عهد دونالد ترامب الذين يثيرون حفيظة الدول المضيفة، ما يطرح تساؤلات حول ما إذا كانت هذه التصرفات مجرد إخفاقات فردية أم جزءا من استراتيجية دبلوماسية جديدة.
في عدد من العواصم الأوروبية، تحول بعض السفراء الأمريكيين الذين عينهم الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، إلى مصدر توتر مع الحكومات المضيفة.
منذ عودة ترامب إلى البيت الأبيض، لم يعد الجدل محصورا في تصريحاته المثيرة داخل الولايات المتحدة، بل امتد ليطال أسلوب تمثيل واشنطن في الخارج. فالرئيس الذي اشتهر بأسلوبه الصدامي ولغته المباشرة، نقل جزءا من هذا النهج إلى السياسة الخارجية، ليس فقط عبر تصريحاته، بل أيضا من خلال الشخصيات التي اختارها لتمثيل بلاده في الخارج.
أزمة في باريس
في فرنسا، اندلع خلاف لافت بين الحكومة الفرنسية والسفير الأمريكي تشارلز كوشنر بعد أن أعاد هذا الأخير نشر تعليق صادر عن الإدارة الأمريكية على منصة “إكس” بشأن قضية مقتل شاب ينتمي لليمين المتطرف بمدينة ليون أثارت جدلا واسعا في فرنسا.

وعلى الرغم من إعلان وزير الخارجية الفرنسي عزمه لقاء السفير لاحتواء الأزمة، فإن الحادثة شكلت سابقة تعكس تحولا في طبيعة العلاقة بين واشنطن وأحد أقدم حلفائها الأوروبيين، إذ انتقل الخلاف من القنوات المغلقة إلى العلن، وعلى منصات التواصل الاجتماعي.
بروكسل: التصعيد الرقمي كأداة ضغط
في بلجيكا، واجه السفير الأمريكي بيل وايت انتقادات رسمية بعد سلسلة منشورات حادة على وسائل التواصل الاجتماعي، اتهم فيها السلطات البلجيكية بالتغاضي عما اعتبره ممارسات تمييزية بحق شخصيات دينية يهودية.
القضية تتعلق بإجراءات قضائية داخلية، إلا أن السفير الأمريكي اعتبرها دليلا على “معاداة السامية“، مطالبا بوقفها فورا. ولم يقتصر الأمر على ذلك، إذ ألمح أيضا إلى شبهات فساد طالت وزيرا في الحكومة البلجيكية، كما أعلن حظر دخول أحد القادة السياسيين البلجيكيين إلى الولايات المتحدة قبل أن يتراجع لاحقا عن هذا التهديد.
هذا السلوك دفع بروكسل إلى تذكير السفير بضرورة احترام مبدأ عدم التدخل في الشؤون الداخلية. هذا اللجوء إلى التصعيد العلني، بدلا من القنوات الدبلوماسية التقليدية، يعكس تحولا في أسلوب إدارة الخلافات.
وارسو: توتر سياسي مباشر
في بولندا، أثار تعيين توماس روز جدلا مبكرا بسبب مواقفه المنتقدة لرئيس الوزراء البولندي دونالد توسك. ولم يتردد السفير في التعبير عن اعتراضه على مواقف بعض المسؤولين البولنديين من سياسات الإدارة الأمريكية، بل وصل الأمر إلى قطع التواصل مع رئيس البرلمان البولندي بعد تصريحات اعتبرها مسيئة للرئيس الأمريكي.
هذه الخطوة اعتبرت تصعيدا غير معتاد في العلاقات بين بلدين يفترض أنهما حليفان استراتيجيان داخل حلف شمال الأطلسي، وأثارت تساؤلات حول حدود الدور الذي يمكن أن يلعبه السفير في التأثير على النقاشات السياسية الداخلية في البلد المضيف.
لوكسمبورغ: نبرة الوصاية تثير الحساسية
في لوكسمبورغ، واجهت السفيرة الأمريكية ستايسي فاينبرغ انتقادات بعد تصريحات أدلت بها خلال جلسة تثبيت تعيينها في الكونغرس، تحدثت فيها عن نيتها “إبلاغ” اللوكسمبورغيين بما وصفته بالتهديدات الصينية.
قوبلت هذه التصريحات بانتقادات واسعة، إذ اعتُبرت تعبيرا عن نبرة فوقية لا تنسجم مع الأعراف الدبلوماسية. وأعادت إلى الأذهان حساسيات أوروبية قديمة تجاه أي خطاب يُفهم على أنه وصاية أو تقليل من قدرة الدول الأوروبية على صياغة سياساتها الخارجية بشكل مستقل.
تركيا وسوريا: زلة لفظية مثيرة للجدل
أما في بيروت، فقد أثار السفير الأمريكي إلى تركيا توم براك، وهو أيضا المبعوث الخاص للرئيس الأمريكي إلى لبنان، جدلا بعد دعوته صحافيين لبنانيين خلال مؤتمر صحافي إلى “التصرف بطريقة حضارية”، في تعبير وصف بأنه غير لائق دبلوماسيا.
وتكتسب هذه الحادثة أهمية إضافية بالنظر إلى أن السفير يتولى أيضا مهمة المبعوث الخاص إلى سوريا، في وقت تتسم فيه المنطقة بحساسية سياسية وأمنية عالية.
دبلوماسية “الهواة” أم استراتيجية محسوبة؟
كثيرا ما يُستشهد بهذه التعيينات المثيرة للجدل كدليل على أن دونالد ترامب قد أسس “دبلوماسية هواة”. يقول سكوت لوكاس، المتخصص في السياسة الدولية والدبلوماسية الأمريكية في جامعة دبلن: “لقد تخلص بالفعل من العديد من الدبلوماسيين المحترفين لأنه لا يثق بهؤلاء المهنيين من المؤسسة الذين يمثلون، في نظره، عقبة أمام أهدافه السياسية”.
مع ذلك، فإن دونالد ترامب ليس أول من يعين “هواة” في مناصب سفراء. يقول أندرو غاوثورب، المتخصص في تاريخ السياسة الخارجية الأمريكية في جامعة ليدن: “لم تعد هذه المناصب في أوروبا الغربية تُشغل منذ زمن طويل بدبلوماسيين محترفين، بل تُمنح بدلاً من ذلك كمكافأة لمانحي الحملات الانتخابية أو المؤيدين النافذين، لأنها مهام مريحة وغير معقدة”.
ويلاحظ سكوت لوكاس أن الرئيس السابع والأربعين للولايات المتحدة يُحدث تغييرا جذريا في هذه الأعراف والتقاليد من خلال تفضيله “المقربين والحلفاء القادرين على نشر الرسالة الأيديولوجية أيضا”.
يرى أن هذه “الهفوات” ليست مجرد علامات على عدم الكفاءة، بل هي أيضا “مؤشرات على استراتيجية متعمدة لتقويض العلاقات مع دول معينة، لا سيما في أوروبا“. ويضيف أندرو غاوثورب أن هذه الاستفزازات تهدف أيضا إلى “تحسين صورته لدى وسائل الإعلام الأمريكية المحافظة المتشددة”. ووفقا له، فإن الدبلوماسية آخر ما يشغل بال هؤلاء السفراء الطموحين: فلا يهم إن كانت الحكومة الفرنسية أو البلجيكية مستاءة، طالما أن فوكس نيوز أو نيوزماكس تعتبر ذلك دليلا على الولاء لحركة “لنجعل أمريكا عظيمة مجددا”.
ويلخص هذا الخبير قائلا: “لهذا السبب ينتهز هؤلاء الدبلوماسيون قضايا معاداة السامية أو حرية التعبير، لأن ذلك يتيح لهم الظهور على هذه القنوات والمشاركة في برامج البودكاست المحافظة المؤثرة”.
على الرغم من أن التحالف عبر الأطلسي يستند إلى مصالح استراتيجية عميقة في مجالات الدفاع والاقتصاد والأمن، فإن الأسلوب المعتمد حاليا في إدارة بعض الملفات يثير تساؤلات حول متانة هذا الإطار على المدى الطويل.
ويبقى التحدي الأساسي أمام الطرفين هو ما إذا كان بالإمكان الفصل بين الخطاب السياسي الداخلي ومتطلبات العمل الدبلوماسي، أم أن المرحلة المقبلة ستشهد ترسيخ نموذج جديد من العلاقات يقوم على الصراحة الحادة بدل اللياقة التقليدية.
المصدر / فرانس 24
وفق حرية الرأي والنشر يتم نشر هذه المادة والجريدة غير مسؤولة عما ينشر فيها من مواد واخبار ومقالات
السيمر موقع عراقي مستقل