أخبار عاجلة
الرئيسية / مقالات / برهم صالح ليس فرانشيسكا ألبانيزي!

برهم صالح ليس فرانشيسكا ألبانيزي!

فيينا / الأحد  14. 12 . 2025

وكالة السيمر الاخبارية

كرم نعمة *

لا يمكن اعتبار تعيين برهم صالح رئيسًا للمفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين خطوة تقنية. إنه إعلان سياسي، يشي بأن الأمم المتحدة باتت تستثمر في المستقبل الخطأ. مستقبل يُكافأ فيه سياسيٌ كان جزءًا من ماكينة احتلال العراق وشريكًا في صناعة دولة فاشلة ثم عائدًا اليوم بملء أناقته إلى مؤسسة دولية تحتاج ما هو أبعد من هذا النوع من الساسة. 

لا تبدأ القصة من هنا، لكن العودة لها كاشفة. 

في المنزل الفاخر التي استأجرتها له السفارة العراقية في لندن من أموال الدولة رغم أن الزيارة خاصة، جلس برهم صالح الذي كان آنذاك رئيسا لجمهورية العراق، يتظاهر بالتواضع أمام ضيوف يعرفهم. بينهم كاتب وصحافي نقل لي القصة نفسها. قال برهم وهو يتهكم على منصب رئاسة الجمهورية الذي شغله: لا أملك حتى استخدام كلمة أحمد حسن البكر (رئيس العراق 1968- 1979) النابية حين شتم منصب الرئيس… لأن منصبي بلا سلطة أصلًا. فماذا أشتم؟ 

لم يكن الرجل يتحدث هكذا إلا أمام من يظن أنهم سيتسامحون مع نفاقه السياسي. 

لكن هذه الحكاية الصغيرة تكفي لإظهار الهوة الأخلاقية التي سقطت فيها الأمم المتحدة وهي تختار رجلاً بلا رصيد إنساني، في موقع يحتاج شخصية مثل فرانشيسكا ألبانيزي، لا شخصية مثل برهم صالح. 

فرانشيسكا ألبانيزي المقررة الخاصة للأمم المتحدة المعنية بحقوق الإنسان في الأراضي الفلسطينية المحتلة، ليست دبلوماسية عابرة. هي صوت أخلاقي. مقررة أممية تصارع القوى الكبرى دفاعًا عن الفلسطينيين. صوت لا يخشى الحقيقة. 

وبرهم صالح رئيس المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين؟ رجل وقف متفرجًا أمام أكبر عمليات التهجير في العراق. أكثر من مليوني لاجئ عراقي تم التخلي عنهم خلال رئاسته. نصف مليون مهجّر داخلي يعيشون حتى اليوم في هجرة متنقلة، بعد أن سيطرت الميليشيات على أراضيهم وبيوتهم، في تطهير طائفي لم يكن غائبًا عن نظره. 

كيف يمكن لرجل شاهد على ذلك، بل شريك في بيئته السياسية، أن يصبح مسؤولًا عن ملف اللاجئين عالميًا؟ أي مفارقة هذه؟ 

يبرّر برهم ضعف منصبه آنذاك قائلاً: لست وحدي… حتى مقتدى الصدر وهادي العامري وقيس الخزعلي لا يملكون السلطة على عناصرهم من الميليشيات. 

ردّ عليه أحد الحاضرين بتذكير لا يُنسى: نوري المالكي قال لمصطفى الكاظمي: لا أعترف بجيشك. لدي من يحميني. 

هذه ليست دولة، هذه صورة لما كان يديره برهم حينها. فأي مفوض سامٍ سيكونه الآن؟ 

المفوضية اليوم تقلص موظفيها بسبب نقص التمويل الدولي. خمسة آلاف وظيفة أُلغيت منذ بداية العام. ومع ذلك، وجدت الأمم المتحدة الوقت لتمنح مقعدها الأرفع لرجل كان أحد مهندسي الفشل في بلاده. وصفوه يومًا بـ “النسخة المعدّلة من إبراهيم الجعفري”. واليوم تقدّمه الأمم المتحدة للعالم بصفته حارسًا لحقوق اللاجئين. أي سخرية أعظم من هذا؟ 

في رسالتيه الأخيرتين بمناسبة رأس السنة وذكرى تأسيس الجيش العراقي، بدا برهم كأنه ينعى العملية السياسية التي شارك في وضعها. دعوة إلى “عقد سياسي جديد”. لغة المشفق على وطنه. لكنها لغة لا تبرّئه. 

وفي مقاله بـ فورين بوليسي، بعد مرور عشرين عاما على احتلال العراق جمع بين “التحرير” و“الفشل” في عبارة واحدة. ازدواجية كتبتُ عنها يومها. ازدواجية رجل يستيقظ فجأة على سرير مختلف كان ينام عليه طوال عشرين عاما، ناسيًا أنه قضى سنوات طويلة يصنع الخراب الذي يلومه الآن. 

هذا التعيين ليس انتصارًا للاجئين. ولا تعزيزًا لأخلاق الأمم المتحدة. إنه إعلان عن موت الحسّ الأخلاقي داخل المؤسسة الدولية. وتكريس جديد لرجل كان جزءًا من ماكينة الفشل في العراق. 

ثمة لاعدالة كونية تتفشّى حين تُكرّم المؤسسات الدولية من ساهم في تشريد شعوبهم. اللاجئ عالمياً ليس مجرد رقم يُدار بميزانية. اللاجئ كائن إنساني يملك ذاكرة وجسدًا وحقوقًا. أن تُسنَد رعاية هذه الحقوق إلى رجل صُنع لأعوام نموذجًا من العجز والفساد السياسي، فهذا يعني أن النظام الدولي يختار حساباته السياسية على حساب كرامة المنكوبين. اللاجئون حول العالم اليوم يعانون خذلاناً مزدوجًا: خذلانًا محليًا من دولهم التي هجّرتهم، وخذلانًا مؤسساتيًا عندما تُمنح إدارة قضيتهم لمن يحملون تاريخًا من التواطؤ أو التقاعس.  

ثم هناك شبهة الفساد التي لا تُطوى بسهولة من ملف برهم. فساد لا يعني دائمًا صفقة نقدية موقعة فقط؛ أحيانًا يكون فساداً سياسياً أخلاقياً، يتمثل في سكوتٍ مقصود، في تحالفاتٍ غامضة، في تسوياتٍ أنتجت ميليشياتٍ خارجة عن القانون ومقاتلين بلا مساءلة. اختيار شخصٍ من بيئة سياسيةٍ غارقة في ذلك الشكل من المراجعات الأخلاقية يجعل المفوضية أكثر عرضة للشكّ والافتقار إلى المصداقية، خصوصًا أمام ضحايا النزوح ممن طالهم التجاهل حين كان الرجل في موقع القرار.  

أخيرًا، تخبّط الأمم المتحدة في هذا الاختيار يرسل رسائل خطيرة: أن المؤسسة قد تنحني أمام اعتبارات جيوسياسية، أو تسلّم أولوياتها لاعتبارات تمثيلية على حساب المعايير الأخلاقية والإنسانية. عندما تختار الأمم المتحدة نموذجًا قادمًا من بلدٍ عانى على مدى 22 عامًا الفشل والفساد السياسي، فهي لا تختار خبرة إنسانية فحسب؛ إنها تختار رسالة رمزية عن مكانة الضحايا في سلم أولوياتها. وهنا يكمن الظلم الأكبر: لاجئو العالم يُصبحون بندًا حسابيًا يُدار بوجوهٍ سياسية، لا بشخصياتٍ تحمل سجلات إنسانية نقية ومصداقية تحمي حقوقهم. 

لكن ما يهم أكثر ليس جلد الذات. بل التفكير في صناعة مستقبل مختلف. مستقبل لا يُترك فيه اللاجئون مرة أخرى تحت رحمة من ساهموا في تهجيرهم. 

نص المقال المنشور بالانجليزية في موقع “ميدل ايست مونيتور”

*كاتب عراقي

وفق حرية الرأي والنشر يتم نشر هذه المادة والجريدة غير مسؤولة عما ينشر فيها من مواد واخبار ومقالات

اترك تعليقاً