فيينا / الخميس 25. 12 . 2025
وكالة السيمر الاخبارية
د. فاضل حسن شريف*
خشيت مريم من قومها ان يتهمها بالفاحشة كونها لم تتزوج”وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِن رُّوحِنَا وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ” (التحريم 12). فذهبت إلى مكان قصي او بعيد”فَحَمَلَتهُ فَانتَبَذَت بِهِ مَكانًا قَصِيًّا” (مريم 22).. وتوسلت بربها ان يرحمها من رجل أتاها”فَأَرسَلنا إِلَيها روحَنا فَتَمَثَّلَ لَها بَشَرًا سَوِيًّا” (مريم 17) فقالت له اتق الله”قالَت إِنّي أَعوذُ بِالرَّحمـنِ مِنكَ إِن كُنتَ تَقِيًّا” (مريم 18)، فاجابها”قالَ إِنَّما أَنا رَسولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلامًا زَكِيًّا” (مريم 19) فتعجبت كيف تحصل الولادة ولم يمسسني بشر وإنها الطاهرة العذراء”أَنّى يَكونُ لي غُلامٌ وَلَم يَمسَسني بَشَرٌ وَلَم أَكُ بَغِيًّا” (مريم 20). ولكنها فهمت ان الموضوع رباني والذي يكلمها ملك منزل من الله تعالى الذي هدأها بمعاجز الوليد”قالَ كَذلِكِ قالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَلِنَجعَلَهُ آيَةً لِلنّاسِ وَرَحمَةً مِنّا وَكانَ أَمرًا مَقضِيًّا” (مريم 21).”إِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ * وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَمِنَ الصَّالِحِينَ” (آل عمران 45- 46). وعلمت انه نبي مقرب إلى الله ومن معاجزه انه يكلم الناس في المهد أي مضجع الوليد وهذه علامة لتبرئة مريم عليها السلام.
جاءت تسمية نصارى بان عيسى عليه السلام هو من ولد آل عمران”إِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ” (ال عمران 45) الذي اظهر المعاجز”وَرَسُولًا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِي الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ” (ال عمران 49). ولكن لقى من قومه العناد والكفر برسالته، ولم يناصره الا القلة القليلة من الانصار”فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ” (ال عمران 52) و ومنها جاءت تسمية النصاري لاتباع الانصار حسب راي بعض المفسرين”إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ” (البقرة 62) و”يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا أَنْصَارَ اللَّهِ كَمَا قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيِّينَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ الله” (الصف 14) ومنهم نصارى نجران في الحجاز.
عن تفسير الميسر: قال الله تعالى عن السيد المسيح عليه السلام”إِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِّنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ” ﴿آل عمران 45﴾ الْمَسِيحَ: ال اداة تعريف، مسيح اسم علم، المسيح: لقب من الألقاب المشرِّقة، قيل: لُقب النبي عيسى به لأنه ممسوح بالدهن، أو لأنه كثير السياحة و المسح للأرض، و قيل: أصل معناه بالعبرية المبارك، وما كنت يا نبي الله هناك حين قالت الملائكة: يا مريم إن الله يُبَشِّرْكِ بولد يكون وجوده بكلمة من الله، أي يقول له: كن، فيكون، اسمه المسيح عيسى ابن مريم، له الجاه العظيم في الدنيا والآخرة، ومن المقربين عند الله يوم القيامة.
جاء في الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل للشيخ ناصر مكارم الشيرازي: قوله تعالى “إِذْ قالَتِ الْمَلائِكَةُ يا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهاً فِي الدُّنْيا وَ الْآخِرَةِ وَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ * وَ يُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَ كَهْلاً وَ مِنَ الصَّالِحِينَ” (ال عمران 45-46). التّفسير: هذه الآية تبيّن حادث ولادة المسيح الذي يبدأ بتقديم الملائكة البشارة لمريم بأمر من اللّه قائلين لها إنّ اللّه سوف يهب لك ولدا اسمه المسيح عيسى بن مريم، و سيكون له مقام مرموق في الدنيا و الآخرة، و هو مقرّب عند اللّه.”إِذْ قالَتِ الْمَلائِكَةُ يا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ” (ال عمران 45). و لا بدّ من الإشارة هنا إلى بضع مسائل: 1- في هذه الآية و في آيتين أخريين يوصف المسيح بأنّه الكلمة و هو تعبير موجود في كتب العهد الجديد أيضا. كلام المفسّرين كثير في بيان سبب إطلاق هذه الكلمة على المسيح. إلّا أنّ أقربها إلى الذهن هو ولادة المسيح الخارقة للعادة و التي تقع ضمن: “إِنَّما أَمْرُهُ إِذا أَرادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ” (يس 82). أو لأنّ البشارة بولادته قد جاءت في كلمة إلى أمّه. كما أنّ لفظة الكلمة وردت في القرآن بمعنى المخلوق: “قُلْ لَوْ كانَ الْبَحْرُ مِداداً لِكَلِماتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِماتُ رَبِّي وَ لَوْ جِئْنا بِمِثْلِهِ مَدَداً” (الكهف 109). ففي هذه الآية “كَلِماتِ رَبِّي” هي مخلوقات اللّه. و لمّا كان المسيح أحد مخلوقات اللّه العظيمة فقد سمّي بالكلمة، و هذا يتضمّن أيضا ردّا على الذين يقولون بالوهيّة المسيح عليه السّلام. 2-“الْمَسِيحُ” بمعنى الماسح أو الممسوح. و إطلاقها على عيسى إما لأنّه كان يمسح بيده على المرضى الميؤوس منهم فيشفيهم بإذن اللّه، إذ كانت هذه الموهبة قد خصّصت له منذ البداية، و لذلك أطلق اللّه عليه اسم المسيح قبل ولادته. أو لأنّ اللّه قد مسح عند الدنس و الإثم و طهّره. 3- يصرّح القرآن في هذه الآية بأنّ عيسى هو ابن مريم، و هو تصريح يدحض مفتريات المفترين عن الوهيّة المسيح. إذ أنّ من يولد من امرأة و تطرأ عليه جميع التحوّلات التي تطرأ على الجنين البشري و الكائن المادّي لا يمكن أن يكون إلها، ذلك الإله المنزّه عن كلّ أنواع التغيّرات و التحوّلات. تشير الآية التي بعدها إلى إحدى فضائل و معاجز عيسى عليه السّلام و هي تكلّمه في المهد”وَ يُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَ كَهْلًا وَ مِنَ الصَّالِحِينَ” (ال عمران 46). فقد جاء في سورة مريم أنّه لدفع التهمة عن أمّه تكلّم في المهد كلاما فصيحا أعرب فيه عن عبودّيته للّه، و عن كونه نبيّا. و لمّا لم يكن من الممكن أن يولد نبيّ في رحم غير طاهرة، فإنّه يؤكد بهذا الإعجاز طهارة أمّه.”الْمَهْدِ” هو كلّ مكان يعدّ لنوم المولود حديثا، سواء أ كان متحرّكا أم ثابتا و الظاهر من آيات سورة مريم أنه عليه السّلام تكلّم منذ بداية تولده ممّا يستحيل على كلّ طفل أن يقوم به في هذا العمر عادة، و بهذا كان كلامه في المهد معجزة كبيرة. و لكن الكلام في مرحلة الكهولة. امر عادي. و لعلّ ذكره في الآية أعلاه مقارنا للحديث في المهد إشارة أن كلامه في المهد مثل كلامه في الكهولة و الكمال لم يجانب الصواب و الحقّ و الحكم. الكهولة هي متوسط العمر، و قيل إنّها الفترة ما بين السنة الرابعة و الثلاثين حتّى الحادية و الخمسين، و ما قبلها شاب و ما بعدها شيخ. و تشير الآية كذلك إلى أنّ المسيح لا ينطق إلّا بالحقّ منذ ولادته حتّى كهولته، و أنّه يواصل الدعوة إلى اللّه و إرشاد الناس و لا يفتر عن ذلك لحظة واحدة. و لعلّ إيراد هذا التعبير عن المسيح ضرب من التنّبؤ بعودة المسيح إلى الدنيا، إذ أنّنا نعلم من كتب التاريخ أنّ عيسى عليه السّلام قد رفع من بين الناس إلى السماء و هو في الثالثة و الثلاثين من عمره. و هذا يتّفق مع كثير من الأحاديث الواردة عن عودة المسيح في عهد الإمام المهدي عليه السّلام و يعيش معه بين الناس و يؤيّده. و بعد ذكر مناقب المسيح المختلفة يضيف إليها”وَ مِنَ الصَّالِحِينَ” (ال عمران 46). و من هذا يتّضح أنّ الصلاح من أعظم دواعي الفخر و الاعتزاز، و تنضمّ تحت لوائه القيم الإنسانية الأخرى.
*كاتب من كتاب السيمر
جريدة السيمر الاخبارية
وفق حرية الرأي والنشر يتم نشر هذه المادة والجريدة غير مسؤولة عما ينشر فيها من مواد واخبار ومقالات
السيمر موقع عراقي مستقل