فيينا / الثلاثاء 30. 12 . 2025
وكالة السيمر الاخبارية
علي محمد مهاجر
لم يكن الدكتور علي شريعتي بحاجة إلى أن يطلع على واقعنا العربي اليوم كي ينحت مفردة الإستحمار ويخصها بكتيبه النباهة والاستحمار ليشخص حالة الوعي المأزوم عندنا وتجلياته، فكل ما حذر منه وشخصه في تلك الورقات، متحقق بحذافيره في واقعنا البئيس.
فما نعيشه اليوم ليس مجرد فشل سياسي أو تعثر تنموي، بل مشروع متكامل لتدمير الوعي، يستعمل فيه الشعب كجمهور قابل للتخدير والقمع وكمنظومة استهلاك مستلب.
يصر شريعتي بوضوح قاطع على أن الوعي لا يقاس بالشهادات ولا بالمقامات الاجتماعية. فكم من أستاذ جامعي ودكتور، وخطيب منبر، ومحلل سياسي، يقف اليوم في الصفوف المتقدمة للاستحمار، مبررا الاستبداد باسم الواقعية أو الدين أو المصلحة العليا. في المقابل، قد يمتلك عامل بسيط أو فلاح أو شاب مهمش، وعيا أشد صفاء لأنه لم يبع ضميره مقابل امتياز أو منصة. فالوعي عند شريعتي ليس شواهد للزينة والتوظيف أو معارف محفوظة ولا حضورا في إعلام مأجور أو صالون ثقافي برجوازي، بل انحياز صريح للإنسان ضد كل بنية تستعبده. لذلك، فإن أخطر أعداء الوعي ليس الجهل فقط، بل النخب المتعلمة حين تستغل موقعها وثقة الناس وجهلهم بها، لتتحول إلى أبواق للإستبداد والظلم.
في عالمنا العربي اليوم، لم تعد السلطة بحاجة إلى إقناع الناس، بل إلى ترهيبهم وإخافتهم. فالخوف من الفوضى ومن العدو الخارجي و الطائفة الأخرى، والخوف من انهيار الدولة… يختزل السياسة في معادلة واحدة: إما نحن أو الخراب. وهذا هو جوهر الاستحمار كما وصفه شريعتي: تعطيل العقل عبر الابتزاز الوجودي، لتُدار المجتمعات بالأزمات الدائمة، لا لحلّها، بل لإبقائها مفتوحة كي لا يتفرغ الناس للسؤال الحقيقي: من يحكم؟ ولماذا؟ ولصالح من؟
إن أكثر ما يجعل أطروحة شريعتي خطرة وراهنية، هو حديثه عن الاستحمار المقدس. ففي الواقع العربي، يُستدعى الدين في اللحظة التي يُراد فيها إسكات الضمير: طاعة بلا عدالة، صبر بلا كرامة، وفتاوى تُفصل على مقاس السلطة.، ليُفرَّغ الدين من معناه التحرري ويتحول من رسالة وعي إلى خطاب تخدير، ومن قوة أخلاقية إلى جهاز ضبط اجتماعي. وهذا بالضبط ما كان شريعتي يرفضه حين قال إن الدين إما أن يكون في صف المستضعفين أو يتحول إلى شريك للظالمين.
أعتقد أن شريعتي لو عاش اليوم بيننا، لاعتبر كثيرا من الإعلام العربي مؤسسة استحمار بامتياز. ليس لأنه يجهل الحقيقة، بل لأنه يصنع واقعا موازيا يضخ الأخبار بلا سياق، ويضخم التوافه، ويحول المأساة إلى عرض يومي، حتى يفقد الإنسان قدرته على الغضب. فهذا الإعلام لا يهدف إلى الكذب فقط، بل إلى إرهاق الوعي، بحيث يصبح المواطن عاجزا عن التمييز، فاقدا للشغف، مستعدا لقبول أي واقع بوصفه قضاءا وقدرا.
في هذا السياق، تصبح النباهة كما شخصها شريعتي، فعل عصيان أخلاقي. أن ترفض التبرير، أن تشكك في الخطاب الرسمي مهما تلون، ألا تنخدع بالمكانة ولا بالعمامة ولا بالبدلة. أن تفهم أن الحياد في زمن الظلم ليس فضيلة، بل مشاركة صامتة في الاستحمار.
من خلال كتيبه النباهة والاستحمار يكشف علي شريعتي أن معركة العالم المستضعف، ليست معركة موارد وحدود، بل معركة وعي. وما دام الاستحمار ناجحا، سيبقى الاستبداد مستقرا، مهما تغيّرت الوجوه والشعارات. فالإنسان النبيه اليوم ليس من يرفع شعارا ثوريا، أو يجالس الدكاترة والمهندسين وخريجي الجامعات، بل من يحافظ على وعيه حيا وسط منظومة هائلة صممت لإطفائه. فالوعي كما فهمه علي شريعتي، ليس امتيازا نخبويا، بل مسؤولية فردية. وكل إنسان يتنازل عنه، أيا كان موقعه، يساهم طوعا في إعادة إنتاج القهر والاستبداد.
وفق حرية الرأي والنشر يتم نشر هذه المادة والجريدة غير مسؤولة عما ينشر فيها من مواد واخبار ومقالات
السيمر موقع عراقي مستقل