فيينا / السبت 28 . 02 . 2026
وكالة السيمر الاخبارية
رسل جمال*
لم تمضِ ساعات على انتهاء جولة المفاوضات في جنيف حتى تبدّد دخان الدبلوماسية ليحلّ مكانه دخان الصواريخ. إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن بدء «عمليات قتالية واسعة النطاق في إيران» شكّل تحوّلًا خطيرًا في مسار الأزمة، لتنتقل المنطقة من حافة التوتر إلى قلب المواجهة المباشرة.
الهجمات التي نُفذت بالاشتراك مع إسرائيل واستهدفت مواقع داخل الأراضي الإيرانية، بينها العاصمة طهران، جاءت بعد تحشيدات عسكرية أمريكية غير مسبوقة في المنطقة. وفي المقابل، لم يتأخر الرد الإيراني، إذ أُطلقت موجات من الصواريخ باتجاه مواقع داخل إسرائيل، مع استهداف قواعد عسكرية أمريكية رئيسية في الإقليم.
كسر قواعد الاشتباك
ما يجري اليوم لا يمكن توصيفه كمناوشات عابرة، بل هو كسر واضح لقواعد الاشتباك غير المعلنة التي حكمت العلاقة بين واشنطن وطهران لعقود. فالمواجهة المباشرة بين الطرفين، إن استمرت بهذا النسق، قد تفتح أبوابًا يصعب إغلاقها.
إيران، التي لطالما اعتمدت سياسة «الحرب غير المباشرة» عبر حلفائها، تبدو اليوم أقرب إلى الانخراط العلني في صراع مفتوح. والولايات المتحدة، من جهتها، ترسل رسالة مزدوجة: الردع من جهة، وإعادة رسم ميزان القوى من جهة أخرى.
تداعيات إقليمية خطيرة
أول المتأثرين بهذه المواجهة هي دول المنطقة، خصوصًا تلك التي تحتضن قواعد أمريكية أو تقع ضمن نطاق النفوذ الإيراني. العراق، الخليج، وشرق المتوسط جميعها تدخل مرحلة حساسة، حيث قد تتحول أراضيها إلى ساحات تصفية حسابات.
كما أن أي تصعيد إضافي قد يدفع أطرافًا إقليمية أخرى إلى الانخراط في الصراع، سواء بشكل مباشر أو عبر دعم لوجستي واستخباراتي، مما يوسّع دائرة النار.
الاقتصاد أول الضحايا
الأسواق العالمية تترقب بقلق. أسعار النفط مرشحة للارتفاع الحاد، وخطوط الملاحة في الخليج قد تواجه تهديدات مباشرة. ومع أي إغلاق محتمل لمضيق هرمز، سيدخل الاقتصاد العالمي في موجة اضطراب جديدة، في وقت لم يتعافَ فيه بعد من أزمات متلاحقة.
أما على المستوى الداخلي للدول المعنية، فتكلفة الحرب ستكون مضاعفة: استنزاف مالي، تراجع الاستثمارات، وهروب رؤوس الأموال.
هل هي حرب شاملة أم ضغط تفاوضي؟
يبقى السؤال الأهم: هل ما يحدث هو بداية حرب إقليمية واسعة؟ أم أنه تصعيد محسوب يهدف إلى تحسين شروط التفاوض؟
التاريخ يخبرنا أن واشنطن وطهران غالبًا ما اقتربتا من حافة الانفجار ثم عادتا خطوة إلى الوراء. لكن الفارق هذه المرة أن وتيرة الضربات وحدّتها توحي بأن هامش المناورة يضيق، وأن أي خطأ في الحسابات قد يشعل مواجهة لا يمكن احتواؤها بسهولة.
في الختام
المنطقة تقف اليوم أمام مفترق طرق خطير. بين لغة الصواريخ ولغة السياسة، يبقى المدنيون هم الحلقة الأضعف، ويبقى الاستقرار الإقليمي رهينة قرار قد يُتخذ في غرفة عمليات أو على طاولة مفاوضات.
وفي الحروب، لا ينتصر أحد حقًا… الجميع يدفع الثمن، لكن الشعوب تدفعه مضاعفًا.
*سكرتير التحرير
بغداد /28 . 20 . 2026
وفق حرية الرأي والنشر يتم نشر هذه المادة والجريدة غير مسؤولة عما ينشر فيها من مواد واخبار ومقالات
السيمر موقع عراقي مستقل