أخبار عاجلة
الرئيسية / مقالات / البهجة في القرآن الكريم (كل زوج بهيج)

البهجة في القرآن الكريم (كل زوج بهيج)

فيينا / الأثنين  08. 12 . 2025

وكالة السيمر الاخبارية

د. فاضل حسن شريف
 
عن کتاب الميزان في تفسير القرآن للعلامة الطباطبائي: قوله تعالى “وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ” (الحج 5) أي وأنبتت الأرض من كل صنف من النبات متصف بالبهجة وهي حسن اللون وظهور السرور فيه، أو المراد بالزوج ما يقابل الفرد فإن كلامه يثبت للنبات ازدواجا كما يثبت له حياة، وقد وافقته العلوم التجريبية اليوم. والمحصل أن للأرض في إنباتها النبات وإنمائها له شأنا يماثل شأن الرحم في إنباته الحيوي للتراب الصائر نطفة ثم علقة ثم مضغة إلى أن يصير إنسانا حيا. قوله تعالى “أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنزَلَ لَكُم مِّنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَّا كَانَ لَكُمْ أَن تُنبِتُوا شَجَرَهَا” (النمل 60) إلى آخر الآية، الحدائق جمع حديقة وهي البستان المحدود المحوط بالحيطان وذات بهجة صفة حدائق، قال في مجمع البيان: ذات بهجة أي ذات منظر حسن يبتهج به من رآه ولم يقل: ذوات بهجة لأنه أراد تأنيث الجماعة ولو أراد تأنيث الأعيان لقال: ذوات. ومعنى الآية: بل أمن خلق السماوات والأرض وأنزل لكم أي لنفعكم من السماء وهي جهة العلو ماء وهو المطر فأنبتنا به أي بذلك الماء بساتين ذات بهجة ونضارة ما كان لكم أي لا تملكون وليس في قدرتكم أن تنبتوا شجرها أإله آخر مع الله سبحانه وهو إنكار وتوبيخ. كان هذا الأنسان محبورا بنعمة ربه بسرور لا غم معه ولذة وابتهاج لا ألم ولا حزن معه، وأمن لا خوف معه، فإن هذه العوارض السوء إنما تطرأ عن إدراك للسوء وترقب للشر والمكروه، ومن كان لا يرى إلا الخير والجميل ولا يجد إلا ما يجري على وفق إرادته ورضاه فلا سبيل للغم والحزن والخوف وكل ما يسوء الأنسان ويؤذيه إليه بل ينال من السرور والابتهاج والأمن ما لا يقدره ولا يحيط به إلا الله سبحانه وهذا أمر ليس في وسع النفوس العادية أن تتعقله وتكتنهه إلا بنوع من التصور الناقص. وإليه يشير أمثال قوله تعالى “أَلا إِنَّ أَوْلِياءَ اللهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا وَكانُوا يَتَّقُونَ” (يونس 63)، وقوله “الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ” (الأنعام 82).
 
وقال الإمام الصادق عليه السلام: من نفس عن مؤمن كربة نفس الله عنه كرب الآخرة، وخرج من قبره ثلج الفؤاد. وقال الرضا عليه السلام: مـن فـرج عـن مـؤمـن فـرج الله عـن قلـبـه يـوم القيامة. وقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: من سر مؤمنا فقد سر الله. وعن ابي عبد الله عليه السلام، قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: إن أحب الأعمال الى الله عز وجل إدخال السرور على المؤمن. وقال الباقر عليه السلام: (تبسـم الـرجل في وجه اخيه حسنة، وصرفه القذى عنه حسنة، وما عبد الله بشيء أحب إلى الله من إدخال السرور على المؤمن). وقال الباقر عليه السلام عليه السلام: (إن فيما ناجى الله عز وجل به عبده موسى عليه السلام قال: إن لي عبادا ابيحهم جنتي، واحكمهم فيها، قال: يا رب ومن هؤلاء الذين تبيحهم جنتك وتحكمهم فيها؟ قال: من أدخل على مؤمن سرورا، ثم قال إن مؤمناً كان في مملكة جـبار فولع بـه فـهـرب منه الى دار الشرك، فنزل برجل مـن أهل الشرك، فأظلـه وارفقه وأضـافه، فلما حضره الموت أوحى الله إليه وعزتي وجلالي لو كان لك في جنتي مسكن لأسكنتك فيها، ولكنها محرمة على من مات بـي مشـركا، ولكـن يـا نار هيديه ولا تؤذيه ويؤتي برزقه طرفي النهار، قلت: من الجنة قال: من حيثما شاء الله)، وقال الباقر عليه السلام عليه السلام: (لا يرى أحدكم إذا أدخل على مؤمن سـروراً أنه عليه أدخله فقط، بل والله علينا، بل والله على رسول الله صلى الله عليه وآله).
 
جاء في كتاب التحقيق في كلمات القرآن الكريم للشيخ حسن المصطفوي: عن معنى كلمة فرح: فرح فرحا، فهو فرح وفرحان، ويستعمل في معان: أحدها- الأشر والبطر – إنّ اللّٰه لا يحبّ الفرحين. والثاني- الرضا – كلّ حزب بما لديهم فرحون. والثالث – السرور- فرحين بما آتاهم اللّٰه. ويقال فرح بشجاعته ونعمة اللّٰه عليه وبمصيبة عدوّه، فهذا الفرح لذّة القلب بنيل ما يشتهى. ويتعدّى بالهمزة والتضعيف.  فرح: أصلأن: يدلّ أحدهما على خلاف الحزن، والآخر- الإثقال. فالأوّل – يقال فرح يفرح فرحا. والمفراح: نقيض المحزان. وأمّا الأصل الآخر- فالإفراح: الإثقال. قال الليث: رجل مفرح: قد أثقله الدين- قال  النبي صلى الله عليه واله: ولا يترك في الإسلام مفرح. قال أبو عبيد: المفرح: الّذى قد أثقله وأفرحه الدين ولا يجد قضاءه. ورجل فرح وفرحان، وامرأة فرحة وفرحى. الفرح: نقيض الحزن، وقال ثعلب: هو أن يجد في قلبه خفّة. والفرح أيضا: البطر. والفرحة والفرحة: المسرّة. والفرحة أيضا: ما تعطيه المفرّح لك أو تثيبه به مكافأة له. ورجل مفرح: محتاج مغلوب، وقيل فقير لا مال له. وقوله ص: لا يُترك: أي يقضى عنه دينه ولا يترك مدينا. والتحقيق‌ أنّ الأصل الواحد في المادّة: هو ما يقابل الغمّ، وقلنا إنّ الغمّ هو التغطية، فيكون الفرح عبارة عن انبساط مطلق في الباطن يوجب رفع التغطّى والأنكدار. والفرق بينها وبين السرور والبطر والأشر والطرب. أنّ السرور: يقابل الحزن، أي انبساط يوجب رفع الحزن والتألّم. والطرب: خروج عن الاعتدال وعن الحدّ الممدوح في السرور. والبطر: تجاوز عن حدّ الطرب. والأشر: تجاوز عن حدّ البطر. فالفرح مطلق السرور، ويصدق في أيّ مرتبة من مراتبه. وأمّا الإفراح بمعنى الإثقال: فمرجعه الى جعل شخص في معرض الفرح وفي مورده، بأن يرى مثقلا بالغموم حتّى يستوجب الفرح، وهذا المعنى يوجب تحقّق الأنكدار والاغتمام والتغطّي بالغموم أوّلا، ثمّ جعله مفرّحا برفع أسباب الاغتمام، ولعلّ هذا معنى ما قالوا من أنّ الإفراح بمعنى الإثقال بدين أو غيره. فيكون معنى – لا يترك في الإسلام مفرح: إنّ من صار برفع الدين أو بغيره فرحا في رفع ابتلائه موقّتا، لا يترك أن يبقى على تلك الحالة، بل يلزم العمل في رفع ابتلائه رأساً بأداء دينه. ثمّ انّ الفرح يكون في حقّ أو باطل، مادّيّا أو معنويّا. ففي الحقّ: كما في -. “وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً فَرِحُوا بِهَا” (الروم 36) وفي الباطل: كما في -. “ذَلِكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَفْرَحُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ” (غافر 75). “فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلَافَ رَسُولِ اللَّهِ” (التوبة: 81) وفي الأمور الدنيويّة المادّيّة: كما في -. “وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا” (آل عمران 120). “لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ” (الحديد 23) ولا يخفى أنّ مفهوم الفرح إنّما يتحقّق بعد الاغتمام وبرفع تغطية وانكدار، فهو أمر عرضيّ ويزول بزوال علّته: “فَرِحُوا بِهَا وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ” (الروم 36) وعلى هذا يستعمل في الأمور الدنيويّة غالبا، فانّ الأنبساط في الآخرة يتعلّق بمقامات روحانيّة وينبعث من سلامة النفس ويدوم بدوام عالم الآخرة. عن أبي عبيدة قال: سمعت أبا جعفر عليه السلام يقول: إن الله تعالى أشد فرحاً بتوبة عبده من رجل أضل راحلته وزاده في ليلة ظلماء فوجدها فالله أشد فرحاً بتوبة عبده من ذلك الرجل براحلته حين وجدها.
 
من فرح وسرور رسول الله صلى الله عليه وآله عندما رزق ولدا اسماه إبراهيم من زوجته مارية القبطية  وهي الجارية التي أهداها المقوقس حاكم مصر إلى رسول الله صلى الله عليه وآله. والجدير بالذكر أنه عند ما بشّرت سلمى  المولّدة رسول الله صلى الله عليه وآله بذلك، أعطاها هدية ثمينة، وعقّ له في اليوم السابع من ولادته، وحلق شعره، وتصدّق بوزن شعره، فضة في سبيل الله. يقول رسول الله صلى الله عليه وآله (يا علي ثلاث فرحات للمؤمن: لقى الإخوان، والإفطار من الصيام، والتهجد من آخر الليل). قال الله تعالى “وَمِنَ اللَّيلِ فَتَهَجَّد بِهِ نافِلَةً لَكَ عَسى أَن يَبعَثَكَ رَبُّكَ مَقامًا مَحمودًا” (الاسراء 79).

وفق حرية الرأي والنشر يتم نشر هذه المادة والجريدة غير مسؤولة عما ينشر فيها من مواد واخبار ومقالات

اترك تعليقاً