الرئيسية / مقالات / «الترفيه» و«التغريب» يخترقان المملكة: «مجتمع آل سعود» لا يُطاوِع ابن سلمان
حملات «المثقفين» هذه يصاحبها نشاط مكثف لجيش إلكتروني مزوّد ببرامج قرصنة تعمل على «تسميم الوسوم» في «تويتر»، وفق ما أكدت صحيفة «ذي تلغراف» البريطانية، التي أشارت إلى أن الاستخبارات السعودية تسيطر على أكثر من نصف الحسابات في المملكة. إلا أن ذلك كله لم يمنع ارتفاع الأصوات الرافضة لخطوات ابن سلمان، سواءً عبر الفضاء الإلكتروني أو عبر وسائل الإعلام العالمية. مفكرون وإعلاميون وأمراء ومشائخ من القبائل المحافظة باتوا يشهرون اعتراضهم على «ترفيه» ولي العهد. من بين هؤلاء الأميرة بسمة بنت سعود، التي اعتبرت في مقابلة مع شبكة «بي بي سي» أن المملكة «لا تزال غير مستعدة لاستقبال هذه التغييرات اجتماعياً»، منبّهة إلى أن ذلك لن يكون سهلاً «في ظل غياب قوانين تحمي المرأة»، فيما ظهر الأمير عبد الله بن فهد، في مقطع مصور انتشر على «تويتر»، محذراً من تداعيات سياسة ابن سلمان. خشية تلك الشخصيات تبدو في محلها إلى حدّ كبير. ذلك أن التجارب السابقة تثبت قدرة السلطة الدينية، منذ تأسيس المملكة، على رفع مناعة المجتمع بوجه أي ثقافة «دخيلة»، مثلما حدث في عهد الملك المؤسس، عبد العزيز، الذي منع لفترة من الزمن استخدام المذياع والتلغراف بسبب تحريم العلماء للاسلكي. يُضاف إلى ما تقدم أن القبائل المحافِظة، التي ترى في التمدن ومظاهر الانفتاح نهاية «مأساوية» لنفوذها، لا تزال على وفاق مع السلطة الدينية، وهي ترفض خطوات ابن سلمان. ففي رسالة تداولها أبناء قبيلتي عنزة وشمر، عبر «واتسآب»، بعنوان «حملة هجر الملاعب»، تحثّ القبيلتان شبابهما على مقاطعة حضور المباريات في الملاعب بسبب السماح للنساء بدخولها. أما قبيلة الحربي، التي تُعدّ من أكبر القبائل في المملكة، فتحذر شبابها «من الانجرار إلى الانفلات»، بحسب ما يؤكد أحد أبنائها في حديث إلى «الأخبار»، رفض فيه الكشف عن اسمه. ويرى الشاب البالغ من العمر 26 عاماً، والساكن في المدينة المنورة، أن «الانفتاح في بلاد الحرمين لا يكون بالخروج عن الدين والتبرج في الشوارع»، لافتاً إلى أن رجال قبيلته جميعهم مسلحون، وأنه «شخصياً مستعد للدفاع عن الإسلام إذا اقتضى الأمر». اختلال ميزان «الترفيه» و«الرفاه» خلال السنوات العشر المقبلة، ستستثمر السعودية حوالى 64 مليار دولار في قطاع الترفيه، وفق ما أعلن رئيس «الهيئة العامة للترفيه»، أحمد الخطيب، في مؤتمر صحافي أمس (سيكون من بين هذه الاستثمارات إنشاء دار للأوبرا في مدينة جدة على البحر الأحمر)، في حين توقّع الرئيس التنفيذي للهيئة، فيصل بافرط، أن يشهد عام 2018 ما يزيد على خمسة آلاف فعالية متنوعة موزعة على 56 مدينة. يأتي ذلك بعدما نظمت الهيئة التي أنشأها ابن سلمان عام 2016 «أكثر من 2000 فعالية في عام 2017»، بالتزامن مع إجراءات اقتصادية هي الأصعب ــ كرفع الدعم عن الطاقة والمياه وفرض الضرائب للمرة الأولى ــ ضاعفت غضب السعوديين الذين يتطلعون إلى دعمهم في الإسكان والتعليم والرعاية الصحية، بدلاً من صرف مبالغ ضخمة على الحفلات. المفارقة أن أكثر المتضررين من تلك الإجراءات التقشفية هم الشباب (يشكلون 70% من السكان وتقل أعمارهم عن 30 عاماً)، الذين تقارب نسبة البطالة في أوساطهم 30%، ويُعدّ معظهم ممن يحملون ثقافة دينية رافضة للثقافة الغربية، ومع ذلك فإن ابن سلمان يعتمد في خطواته نحو «التغريب» عليهم، ما يفصح عن رؤيته السطحية لكيفية كسر نمط الحياة السائد في المملكة، وقصر نظره لعواقب التسرع في خطواته. قصور يتجلى كذلك في مساعي ولي العهد لتحفيز السياحة الداخلية من خلال الاهتمام الحكومي بالمواقع الأثرية (للمرة الأولى) والحفلات المختلطة، وهو ما ظهر في شعار «لا تفكر تسافر»، الذي أطلقته «الترفيه» الشهر الماضي عنواناً لأكثر من 45 فعالية متنوعة، في محاولة لتحويل مليارات الدولارات التي ينفقها السعوديون على السياحة الخارجية إلى الداخل (44.9 مليار دولار خلال 2017 بحسب بيانات «الهيئة العامة للسياحة والتراث الوطني»). لكن «الترفيه»، في ظل الأوضاع المعيشية الصعبة، ليس هو الدافع الوحيد خلف سياحة السعوديين الخارجية، بل إن الكلفة هي العامل الأقوى في ذلك، إذ لا يزال السفر إلى شرق آسيا أو دبي، مثلاً، أقل تكلفة من السياحة في جدة أو الطائف، وفق ما يؤكد أصحاب شركات السفر.

«الترفيه» و«التغريب» يخترقان المملكة: «مجتمع آل سعود» لا يُطاوِع ابن سلمان

السيمر / الجمعة 23 . 02 . 2018

علي جواد الأمين / لبنان

يمضي محمد بن سلمان في ترجمة «رؤيته» لمستقبل السعودية، والتي يحتل «الترفيه والتغريب» موقعاً أساسياً فيها. ومع إعلان «هيئة الترفيه»، التي أنشأها ابن سلمان، يوم أمس، عزمها على إنفاق عشرات مليارات الدولارات على أنشطتها في العقد المقبل، تتزايد الشكوك المحيطة برؤية ابن سلمان الفضفاضة، وغير المتجانسة مع الآليات المعتمدة في التنفيذ. انفصامٌ بدأت آثاره تظهر في صورة انقسامات في المجتمع السعودي، من شأنها إذا ما تعمّقت مضاعفة التهديدات المحدقة بروابط «العقد الاجتماعي» في المملكة

رجل وامرأة يرقصان على قارعة الطريق في أبها، عريس يصطحب عروسه متبرجة على كورنيش جدة، آخر آسيوي يرقص ويحتضن فتاته أمام عدد من الجماهير، وعروس ترقص وسط فرقة فنية على كورنيش جازان… مظاهر تكاثرت في الآونة الأخيرة، مثيرة غضب السعوديين الذين اعتبروها «تجاوزات دينية وأخلاقية».
لا تنفصل مساعي ولي العهد السعودي، محمد بن سلمان، في «تغريب» نمط الحياة ثقافياً في المملكة، بعد عقود من الانغلاق والتشدد، عن طموحه إلى إحداث تحوّل اقتصادي قوامه وقف الاعتماد على النفط وبناء اقتصاد جبائي، ذلك أن المستوى المعيشي والرفاهية والأمن والاستقرار وجذب الاستثمارات، تشكّل جميعها سلسلةً متصلاً بعضها ببعض. إنها دوامة الترفيه والرفاه في «رؤية 2030» التي يزيدها المستوى المعيشي المتدني وتزعزع العقد الاجتماعي تعقيداً، ما يجعل مسؤولية الفشل الذي يحذر منه الخبراء، على كاهله، ثقيلةً.
ولم يقتصر الجدل هذه المرة على «تويتر» فحسب، بل تحول إلى توتر على الأرض، ما ينذر بما هو أخطر أمنياً، خصوصاً أن «المحافظين» يحمّلون ولي العهد وحده المسؤولية عن تجرّؤ البعض على «أفعال غير مسبوقة»، ويرجعون ذلك إلى تواري «هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر» التي قلّص ابن سلمان صلاحياتها، في إطار مساعيه إلى إعادة صياغة عقد التحالف مع الوهابية، على نحو يضعّف سلطة الأخيرة، ويَقصُر دورها على «شرعنة» خطوات ولي العهد نحو «التحول».
في طريقه نحو «الإسلام الوسطي المعتدل»، كما عبّر عنه في مؤتمر «مبادرة مستقبل الاستثمار» في تشرين الأول/أكتوبر الماضي، تجاوز ابن سلمان أكثر من 35 عاماً دفعة واحدة. حدث ذلك من خلال خطوات متعددة، كان أبرزها افتتاح السينما، وتشريع الحفلات المختلطة، والسماح للنساء بحضور مباريات كرة القدم، ورفع الحظر عن قيادة المرأة للسيارة… وأخيراً إلغاء أحكام «بيت الطاعة» (التي تسمح بإجبار الزوجة على العودة إلى بيت زوجها)، وترخيص لعبة «البلوت» (الورق) وإقامة مباراة رسمية لها في البلاد. قراراتٌ أكدت أن «الملك غير المنصّب» نجح في إفساح المجال أمام الشباب السعودي للانعتاق من «ربقة» السلطة الدينية، إلا أنه لم ينجح بعد في اختراق جذور تلك السلطة الممتدة في أرضية المجتمع. وما حالة الاستياء التي خلّفتها محاولات تبديل هوية المملكة ووأد عاداتها إلا دليل واضح على ذلك.

المشائخ والقبائل… في وجه ابن سلمان
في معركته مع «الجناح الديني»، التي ترتبط ارتباطاً وثيقاً بسعيه إلى كسب ودّ الرئيس الأميركي دونالد ترامب، ودوائر القرار الغربية، والتي باتت «مكافحة التطرف» شعارها الرئيس، يروّج ابن سلمان، ومعه حاشيته الإعلامية، لدعوى تقول إن مظاهر «الانفتاح» ليست جديدة على المجتمع السعودي، لكن «نحن فقط نعود إلى ما كنا عليه». يكرّر من يوصفون بـ«المطبّلين» عبر «تويتر» مقولة ابن سلمان بصياغات أخرى. معظم هؤلاء هم من أزلام ولي العهد، كالمحامي نايف آل منسي، الذي اعتقله وزير الداخلية (سابقاً)، محمد بن نايف، لأشهر في عام 2015 بسبب انتقاده الوهابية، وعبد الرحمن اللاحم، الذي ازداد نشاطه منذ الانقلاب على ابن نايف، كون والد الأخير كان قد سجنه حينما كان وزيراً للداخلية.
حملات «المثقفين» هذه يصاحبها نشاط مكثف لجيش إلكتروني مزوّد ببرامج قرصنة تعمل على «تسميم الوسوم» في «تويتر»، وفق ما أكدت صحيفة «ذي تلغراف» البريطانية، التي أشارت إلى أن الاستخبارات السعودية تسيطر على أكثر من نصف الحسابات في المملكة.
إلا أن ذلك كله لم يمنع ارتفاع الأصوات الرافضة لخطوات ابن سلمان، سواءً عبر الفضاء الإلكتروني أو عبر وسائل الإعلام العالمية. مفكرون وإعلاميون وأمراء ومشائخ من القبائل المحافظة باتوا يشهرون اعتراضهم على «ترفيه» ولي العهد. من بين هؤلاء الأميرة بسمة بنت سعود، التي اعتبرت في مقابلة مع شبكة «بي بي سي» أن المملكة «لا تزال غير مستعدة لاستقبال هذه التغييرات اجتماعياً»، منبّهة إلى أن ذلك لن يكون سهلاً «في ظل غياب قوانين تحمي المرأة»، فيما ظهر الأمير عبد الله بن فهد، في مقطع مصور انتشر على «تويتر»، محذراً من تداعيات سياسة ابن سلمان.
خشية تلك الشخصيات تبدو في محلها إلى حدّ كبير. ذلك أن التجارب السابقة تثبت قدرة السلطة الدينية، منذ تأسيس المملكة، على رفع مناعة المجتمع بوجه أي ثقافة «دخيلة»، مثلما حدث في عهد الملك المؤسس، عبد العزيز، الذي منع لفترة من الزمن استخدام المذياع والتلغراف بسبب تحريم العلماء للاسلكي. يُضاف إلى ما تقدم أن القبائل المحافِظة، التي ترى في التمدن ومظاهر الانفتاح نهاية «مأساوية» لنفوذها، لا تزال على وفاق مع السلطة الدينية، وهي ترفض خطوات ابن سلمان. ففي رسالة تداولها أبناء قبيلتي عنزة وشمر، عبر «واتسآب»، بعنوان «حملة هجر الملاعب»، تحثّ القبيلتان شبابهما على مقاطعة حضور المباريات في الملاعب بسبب السماح للنساء بدخولها. أما قبيلة الحربي، التي تُعدّ من أكبر القبائل في المملكة، فتحذر شبابها «من الانجرار إلى الانفلات»، بحسب ما يؤكد أحد أبنائها في حديث إلى «الأخبار»، رفض فيه الكشف عن اسمه. ويرى الشاب البالغ من العمر 26 عاماً، والساكن في المدينة المنورة، أن «الانفتاح في بلاد الحرمين لا يكون بالخروج عن الدين والتبرج في الشوارع»، لافتاً إلى أن رجال قبيلته جميعهم مسلحون، وأنه «شخصياً مستعد للدفاع عن الإسلام إذا اقتضى الأمر».

اختلال ميزان «الترفيه» و«الرفاه»
خلال السنوات العشر المقبلة، ستستثمر السعودية حوالى 64 مليار دولار في قطاع الترفيه، وفق ما أعلن رئيس «الهيئة العامة للترفيه»، أحمد الخطيب، في مؤتمر صحافي أمس (سيكون من بين هذه الاستثمارات إنشاء دار للأوبرا في مدينة جدة على البحر الأحمر)، في حين توقّع الرئيس التنفيذي للهيئة، فيصل بافرط، أن يشهد عام 2018 ما يزيد على خمسة آلاف فعالية متنوعة موزعة على 56 مدينة. يأتي ذلك بعدما نظمت الهيئة التي أنشأها ابن سلمان عام 2016 «أكثر من 2000 فعالية في عام 2017»، بالتزامن مع إجراءات اقتصادية هي الأصعب ــ كرفع الدعم عن الطاقة والمياه وفرض الضرائب للمرة الأولى ــ ضاعفت غضب السعوديين الذين يتطلعون إلى دعمهم في الإسكان والتعليم والرعاية الصحية، بدلاً من صرف مبالغ ضخمة على الحفلات.
المفارقة أن أكثر المتضررين من تلك الإجراءات التقشفية هم الشباب (يشكلون 70% من السكان وتقل أعمارهم عن 30 عاماً)، الذين تقارب نسبة البطالة في أوساطهم 30%، ويُعدّ معظهم ممن يحملون ثقافة دينية رافضة للثقافة الغربية، ومع ذلك فإن ابن سلمان يعتمد في خطواته نحو «التغريب» عليهم، ما يفصح عن رؤيته السطحية لكيفية كسر نمط الحياة السائد في المملكة، وقصر نظره لعواقب التسرع في خطواته.
قصور يتجلى كذلك في مساعي ولي العهد لتحفيز السياحة الداخلية من خلال الاهتمام الحكومي بالمواقع الأثرية (للمرة الأولى) والحفلات المختلطة، وهو ما ظهر في شعار «لا تفكر تسافر»، الذي أطلقته «الترفيه» الشهر الماضي عنواناً لأكثر من 45 فعالية متنوعة، في محاولة لتحويل مليارات الدولارات التي ينفقها السعوديون على السياحة الخارجية إلى الداخل (44.9 مليار دولار خلال 2017 بحسب بيانات «الهيئة العامة للسياحة والتراث الوطني»). لكن «الترفيه»، في ظل الأوضاع المعيشية الصعبة، ليس هو الدافع الوحيد خلف سياحة السعوديين الخارجية، بل إن الكلفة هي العامل الأقوى في ذلك، إذ لا يزال السفر إلى شرق آسيا أو دبي، مثلاً، أقل تكلفة من السياحة في جدة أو الطائف، وفق ما يؤكد أصحاب شركات السفر.

الاخبار اللبنانية

اترك تعليقاً