أخبار عاجلة
الرئيسية / مقالات / بين التيه القديم والتيه المعاصر: تأمل في جدلية الطاعة والقيادة

بين التيه القديم والتيه المعاصر: تأمل في جدلية الطاعة والقيادة

فيينا / الثلاثاء  29 . 07 . 2025

وكالة السيمر الاخبارية  

 د . عماد العلاق* 
لم يكن تيه بني إسرائيل في الصحراء حدثًا عبثيًا أو عابرًا في التاريخ، بل جاء كعقوبة إلهية واضحة نتيجة عصيانهم أمر نبيهم موسى عليه السلام، ورفضهم الانصياع لتكليف إلهي بالدخول إلى الأرض المقدسة. أربعون عامًا من التيه كانت كفيلة بانقضاء جيل بأكمله، لم يُكتب له أن يرى الوعد، لتبدأ صفحة جديدة بجيل آخر يحمل مؤهلات الطاعة والثبات.
وما أشبه تلك القصة بما شهده العراق في مرحلة ما بعد 2003، حين تولت شريحة من النخبة الشيعية مقاليد الحكم، لكن كثيرًا منهم -عن قصد أو غفلة- غفلوا عن دور المرجعية الدينية العليا، المتمثلة في سماحة السيد السيستاني (دام ظله)، التي نأت بنفسها عن السلطة المباشرة، لكنها لم تبخل بتقديم النصح والتوجيه في أحلك الظروف.
لقد كان الحاكم المدني الأميركي بول بريمر، فعليًا، صاحب الكلمة الفصل في إعادة تشكيل الدولة، بينما كان صوت المرجعية يدعو إلى احترام إرادة الشعب، وصيانة السيادة، والتأسيس لنظام يقوم على الكفاءة والنزاهة، لا على المحاصصة والمصالح الضيقة.
ومع مرور الوقت، بدا أن تجاهل تلك التوجيهات، أو الانتقائية في التعامل معها، قد أفضى إلى واقعٍ سياسي واجتماعي يعاني من أزمات متراكمة، بدءًا من الفساد، ومرورًا بانهيار الثقة بين الدولة والمجتمع، وليس انتهاءً بالتدخلات الخارجية.
وقد يُفهم هذا الواقع، من زاوية دينية، على أنه شكل من أشكال “التيه المعاصر” الذي يُصيب الأمم عندما تفرّط بالبوصلة الأخلاقية والدينية، وتغفل عن صوت الحكماء والعلماء الربانيين، فتُسلّط عليها نتائج خياراتها.
من هنا، فإن العودة إلى المرجعية الأخلاقية، والإنصات لتوجيهات القادة الحكماء، لا يُعد ترفًا فكريًا، بل ضرورة مصيرية لتجاوز التيه، واستعادة الطريق.

 *مستشار

وفق حرية الرأي والنشر يتم نشر هذه المادة والجريدة غير مسؤولة عما ينشر فيها من مواد واخبار ومقالات

اترك تعليقاً