الرئيسية / مقالات / شرق اوسط جديد أم شرخ اوسط جديد؟!

شرق اوسط جديد أم شرخ اوسط جديد؟!

فيينا / الأحد 15 . 03 . 2026

وكالة السيمر الاخبارية

د. ابراهيم الخزعلي

” لا تصمت عن قول الحق أبدأً..

فعندما تضع لجاماً على فمك،

سيضعون سرجاً على ظهرك.”

المفكر الجزائري مالك بن نبي

من يجهل تاريخ الإمبريالية العالمية، والسجل الاستعماري لقوى الشر التي طالما ارتكبت الجرائم بحق الشعوب، وكيفية غزوها ونهب خيراتها وتوسيع هيمنتها طمعًا في ثروات الدول ذات السيادة، مدفوعين بغطرسة واستعلاء واستهانة بحقوق شعوب تلك الدول، فإن هذه الصفحات من تاريخ أوروبا القديم وتاريخها الاستعماري الإجرامي والدموي ستبقى محفوظة في الذاكرة مهما تعاقبت الأجيال وطال الزمن.

بعد شيخوخة أوروبا وأفول بريق نجمها إثر حركة التحرر الوطني العالمية التي انطلقت من شعوب آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية بعد الحرب العالمية الثانية، تحررت العديد من الدول من الهيمنة الاستعمارية. وقد تنوعت أساليب النضال التحرري ضد هذه الهيمنة، إذ شملت الكفاح المسلح والعمل السياسي والجماهيري التوعوي، سعيًا لتحقيق السيادة والعدالة والمساواة والحقوق المشروعة التي طالما ناضلوا من أجلها.

نتيجة لتصاعد قوى النضال التحرري بعد الحرب العالمية الثانية وضعف القوى الاستعمارية الأوروبية، ظهرت أمريكا كقوة عظمى، ولدت من رحم أوروبا، لكنها اتسمت بتعجرف وغرور واستعلاء فاق أمها وخالاتها الأوروبيات. وهي تلعب ذات الدور الاستعماري الشرير الذي مارسته أسرتها الأوروبية، بل وتجاوزته. وفي المقابل، وفي خضم التطورات على الساحة الدولية والصراع بين قوى الشر والخير، برز الاتحاد السوفيتي  أنذاك وصعوده كقوة عظمى انتصر بقوة وتحدٍ على النازية الألمانية، وأنقذ البشرية من شرها، ووقف إلى جانب حركة التحرر الوطني العالمية، داعماً جميع الشعوب المناضلة من أجل تحررها من الهيمنة الاستعمارية الغربية وكسر قيودها.

رغم إفلاس الإمبريالية العالمية وتدهورها، وحال أوروبا العجوز المريضة التي  بلغت حالتها السيئة ، لم تكتفِ بما ارتكبته من جرائم وحشية بحق الشعوب خلال فترة قوتها ونشاطها العدواني الشرير، وفي مقدمتها بريطانيا التي أنجبت كيانًا غير شرعي (إسرائيل) وألقت بهذا الجنين المرفوض بكل ما يحمله من آثام وفظائع في حضن الأمة العربية والإسلامية لتمزيق وحدتها والتآمر عليها، وتشريد الشعب الفلسطيني والاستيلاء على أرضه، وارتكاب المجازر بحق العائلات الفلسطينية على أيدي العصابات الصهيونية المدعومة من الإمبريالية العالمية، وتلك العصابات الإجرامية المتمثلة في (البالماخ، الإرغون، الهاغاناه، شتيرن) إبان النكبة عام 1948 وما قبلها.

وعلى مدى ما يقارب ثمانية عقود، تعرّض الشعب الفلسطيني لأشد أنواع الاضطهاد والتعذيب والتشريد على يد الاحتلال الصهيوني، بدعم من قوى الشر العالمية، وعلى رأسها “الشيطان الأكبر ورأس الشر”، بهدف طمس هوية الشعب الفلسطيني ودولة فلسطين.

لكن إرادة الشعب الفلسطيني أقوى من الألم وأصلب من الانكسار أمام ضربات العدو. فلم يرضخ الشعب الفلسطيني الأبي ولم يستسلم، رغم شدة العدوان والقمع والقتل والأساليب الوحشية التي يتلقاها من قادة الكيان الغاصب المدعوم من الإمبريالية والصهيونية العالمية. فكلما ارتقَت كوكبة من الشهداء في طريق ذات الشوكة ، والنضال الشاق والصعب، تصعد أرواحهم إلى السماء، وتبقى دماؤهم نبراساً يجري في عروق الثوار والأحرار في فلسطين وكل أحرار العالم.

على الرغم من وجود قطبين يحكمان العالم والسياسة الدولية آنذاك، إلا أن العدوان الصهيو- أمريكي- غربي  لم تُردعه القوانين الدولية ومنظمات حقوق الإنسان.

وبعد انهيار الاتحاد السوفيتي في مطلع التسعينات (26 ديسمبر 1991) وخيانة الرئيسين غورباتشوف وويلسن، انفردت أمريكا بالتحكم السياسي والاقتصادي الدولي  متوحشة ، لتعلن أنها القطب الأقوى والأوحد بلا منازع.

لقد عشتُ  حينها  حالة انهيار الاتحاد السوفيتي وما تبعه من فوضى وجرائم في البلاد.

وقد قال بوتين عنه ذات مرة: (إن انهيار الاتحاد السوفيتي هو أكبر كارثة في القرن العشرين).

وكما صرح  الحزب الشيوعي الروسي بعد انهيار الاتحاد السوفيتي،   

في العام نفسه الذي انهار فيه الاتحاد السوفيتي، أصدر الحزب الشيوعي الروسي تقريرًا مطولًا في الصحف تناول دور اليهود في إضعاف الكيان السوفيتي الذي أدى إلى الانهيار الكبير وغير المتوقع. وأشار تقرير الحزب إلى أن انخراط اليهود في الحزب الشيوعي منذ نشأة الحركة بقيادة لينين لم يكن نابعًا من حبهم  لينين أو الإيمان بالفكر الماركسي اللينيني، بل كان بدافع الكراهية للقيصر نيقولاي الثاني، آخر قياصرة الإمبراطورية الروسية. وكان القيصر قد عاقب اليهود بسبب مخالفتهم للقانون، وهم الذين شكلوا جزءًا كبيرًا من تاريخ الشتات اليهودي الذي استضافته الإمبراطورية الروسية، لا سيما يهود الأشكناز. ويزعم اليهود أن العقوبات التي تلقوها من القيصر كانت قاسية، بينما هي في الواقع كانت نتيجة لمخالفاتهم. ولهذا السبب، انضموا إلى حزب لينين بسبب الاضطهاد القيصري، وشكّلوا الأغلبية  في الحزب البلشفي اللينيني، وهم الذين أطاحوا بالقيصر نيقولاي الثاني وعائلته انتقامًا وحقدًا عليه.

بعد وفاة لينين (21 يناير 1924)، ومن اللافت للانتباه أن تروتسكي، اليهودي، تغيب عن الجنازة، متهماً ستالين بتضليله بشأن موعدها، ولكن الحقيقة لم تكن كذلك. وبما أن الأغلبية اليهودية (البلاشفة) قررت ألا يترأس الحزب الشيوعي الروسي أي شخص من القومية الأكبر (وقد عُمّم هذا المبدأ في النظام الداخلي لغالبية الأحزاب الشيوعية)، فإنه إذا لم تتوفر الإمكانيات في شخص يهودي، فيجب أن يكون القائد من الأقليات. ولهذا، وجدوا في ستالين، المنتمي للأقلية الجورجية،  ظناً منهم أنه الشخص الأقرب لتوجهاتهم وغاياتهم، فقرروا أن يشغل هو مكان لينين. وقد خُدع ستالين حينها بأن الكيان الصهيوني الذي صنعته بريطانيا بموجب وعد بلفور المشؤوم، وقيادة الحزب الشيوعي السوفيتي التي كانت من الغالبية اليهودية، قد رسمت صورة مُنمّقة للكيان الصهيوني المحتل، مصوّرين إياه على أنه ذو توجه اشتراكي، وذلك لإقناع ستالين بالاعتراف بهذا الكيان.

كان قادة الحزب الشيوعي السوفيتي، والذين كان أغلبهم من اليهود، على دراية تامة بطبيعة الكيان الصهيوني الغاصب للأرض الفلسطينية، والذي ارتكب جرائم  القتل والتشريد ضد أصحاب الأرض الفلسطينيين، وبالجرائم البشعة التي ارتكبتها العصابات الصهيونية المجرمة بحقهم.

وعندما اتضح لجوزيف ستالين أنهم خدعوه، بدأ يخالف آراءهم، مما ولد لديهم حقدًا دفينًا تجاهه حتى وفاته، التي يُشاع أن لهم يدًا فيها، على الرغم من أن الرواية الرسمية تشير إلى أن وفاته كانت نتيجة جلطة دماغية، على غرار سلفه لينين.

إن الكيان الصهيوني الغاصب وتاريخه الإجرامي تجاه الشعب الفلسطيني والمنطقة أمر لا يخفى على أحد.

وللتوضيح، نؤكد هنا : ليس كل يهودي صهيونيًا أو ماسونيًا، وليس كل صهيوني أو ماسوني بالضرورة أن يكون يهوديًا.

نرى اليوم حكامًا غير يهود، لكنهم صهاينة بامتياز في سلوكهم، سواء كانوا قريبين منا أو بعيدين. ومن الأمثلة على ذلك الرئيس الأمريكي السابق بايدن، ومن بعده ترامب المتهور الذي يعمل كأداة طيعة في يد نتنياهو واللوبي الصهيوني، لتنفيذ المشروع التآمري الصهيو- أمريكي المخطط  لـ “شرق أوسط جديد”.

هذا الحلم التلمودي الخرافي الذي يخدعون به العالم، وخاصة اليهود، وهذه الثنائية  الترامبوية  المتهورة المتمثلة بترامب والسياسة  النتنياهوية التوسعية لنتنياهو، الذي يهرب  الى الأمام  من الملاحقة القانونية والقضائية،  يقودان العالم نحو الهاوية. ومع ذلك، فكلاهما محتال؛ فهما أنفسهما لا يؤمنان بالخرافة التلمودية المتمثلة بـ “إسرائيل الكبرى من النيل إلى الفرات”. ورغم ارتكابهما جرائم وحشية وإبادة جماعية ضد أهلنا في غزة على مدى أكثر من عامين، لم يستطيعا كسر إرادة الشعب الفلسطيني الذي يعيش على جزء بسيط من أرض فلسطين ( غزة ). فكيف يسعون للقضاء على إيران  العريقة والمترامية الأطراف ، ويحققون حلمًا يكذبون به أولاً على أنفسهم ثم على اليهود؟

نرى اليوم ترامب ونتنياهو بتهورهما وجنونهما يجران العالم إلى حرب ضد الجمهورية الإسلامية الإيرانية، وما سيترتب عليها من تداعيات عالمية. وما يدعونه بـ “شرخ  أوسط جديد” ستكون نهايتهم في ( الشرخ أوسط الجديد ) ومقبرة لهم ولأحلامهم ..

 أو أن الشرق الأوسط الجديد الذي سيرسمه أحرار الأمة هو الذي سيُقام، وحينها لن يكون لهم فيه موطئ قدم..

التاريخ: 15/3/2026 

وفق حرية الرأي والنشر يتم نشر هذه المادة والجريدة غير مسؤولة عما ينشر فيها من مواد واخبار ومقالات

اترك تعليقاً