فيينا / الجمعة 23. 05 . 2025
وكالة السيمر الاخبارية
عبدالرحيم الجرودي / المغرب
في عالم مشبع بالتكرار والروتين، يبدو سؤال الموت مزعجا، بل وكأنه ضيف ثقيل لا يُدعى، ولكنه في جوهره السؤال الأكثر صدقا وعمقا.
ماذا لو كنت سأموت غدا؟ ليس مجرد استفسار عن المصير، بل هو سؤال عن كينونة الحياة وذاتها، عن قيمتها، عن معناها وعن علاقتنا بها ككائنات مؤقتة في كون لا يلقي بالا إلى وجودنا أو فنائنا.
إن وعي الإنسان بفنائه ليس مجرد معرفة عابرة، بل هو بنية وجودية تشكل أساس فهمه للحياة. فالسؤال ماذا لو كنت سأموت غدا؟ ليس علامة على اليأس، بل موقظ للوعي وبداية للصدق مع الذات، إذ لا يمكن للمرء أن يختبر جوهر وجوده إلا حينما يدرك هشاشته وتفاهته.
وفي هذا السياق، لا يبدو الموت نهاية بقدر ما هو مرآة تعكس للإنسان ضآلة وتفاهة ما يشغله، وتدفعه لإعادة ترتيب أولوياته. فقد قال سقراط يوما في دفاعه عن نفسه بأن الفلسفة هي تدريب على الموت بمعنى أن التفكير الفلسفي الحق هو الذي لا يهرب من حتمية الزوال، بل يجعل منها محورا لفهم الحياة نفسها.
إذا كنت سأموت غدا، فإن كل لحظة أعيشها الآن ستصبح مشحونة بالقيم الأخلاقية الوجودية.
ما الذي أفعله بهذا اليوم؟ كيف أتعامل مع من أحب؟ هل أمارس حقي في الحرية، أم أسلم نفسي لامتدادات العادة والخوف؟ في هذا المعنى، يعيد سؤال الموت الاعتبار للحظة الراهنة، ويمنحها وسما مطلقا.
يذهب بعض الفلاسفة إلى أن الإنسان محكوم بالحرية، وأن وجوده يسبق ماهيته. وبالتالي فإن إدراك اقتراب الموت وحتميته تسقط جميع الأعذار الخارجية، وتجعل من المسؤولية الشخصية أمرا لا يمكن التهرب منه. فكل اختياراتنا تصبح جوهرية، وكل فعل نحاسب عليه أولا وآخرا أمام أنفسنا لا أمام أحد.
لكن، حين يطرح هذا السؤال في سياق واقع يرزح فيه الإنسان تحت نير الظلم والحرمان، فإن جوابه لا ينحصر في فردانية خالصة، بل يمتد ليتخذ طابعا أخلاقيا وسياسيا، فلا يمكن التفكير في النهاية دون التفكير في العدالة، ولا يمكن الحديث عن الحياة دون الحديث عن الحق في أن تعاش.
يقول سارتر إن الإنسان مدان بالحرية حتى تحت السلاسل. قد لا نستطيع تغيير ظروفنا، لكننا لا نستطيع أن نتنصل من مسؤوليتنا تجاهها. ومن يدرك اقتراب موته، يجبر على مواجهة هذه الأسئلة الجوهرية: هل سأموت صامتا؟ أم ثائرا ورافضا؟، هل سأموت حرا مبدئيا وداخليا، حتى لو كنت مقهورا واقعيا؟ هنا يصبح الموت فلسفة تحرر لا تهديد، لأنه يسقط الخوف من الخسارة، ويترك للإنسان حرية القرار الأخلاقي في أحلك اللحظات. فالموت حينها لا يعود حدثا شخصيا، بل علامة على اختلال أخلاقي عام.
في هذا الإطار، فإن من يفكر في موته القريب في ظل الاضطهاد، يجد نفسه أمام لحظة مسؤولية مضاعفة حيث يجعل من موته صرخة ممتدة في الحياة، لا انطفاءً صامتًا. لذلك كان الموت في وجه الاستعمار والاستبداد والقهر مثلا، بداية تشكل الذات الحرة والمتحررة من التشييء، الساعية إلى استرداد إنسانيتها وخصوصيتها. وهكذا، فإن التفكير في الموت يجعل من كل فعل مقاومة. حتى في أبسط اختياراتنا اليومية (الكلمة، الموقف، التعبير، الصمت، الرفض) أفعالا وجودية كبرى. فما لم نستطع تغييره، يمكننا أن نختار كيف نتشخص به وفيه، حتى نكون شهودا لا متواطئين، فموتنا ليس نهاية، بل حد التقاء أخلاقي مع مصير الآخرين.
قد يلوح في الأفق تساؤل ساخر: إذا كان كل شيء سينتهي، أليس في كل ما نقوم به شيء من العبث؟ هنا أذكر موقف ألبير كامو في وجه العبث، فهو لا ينكره، بل يواجهه. ففي “أسطورة سيزيف”، يرى كامو أن الاعتراف بعبثية الوجود هو بداية للحرية، وأن تمرد الإنسان على اللاجدوى يمنحه معنى جديدا لحياته.
أن نعرف أننا سنموت غدا لا يعني أن نتخلى عن الحياة، بل نحياها كما لو كانت غنيمة مؤقتة. العبث، عند كامو، لا يعني الاستسلام، بل الوعي بأن لا شيء مضمون، وأن الجمال يكمن في لحظات الصفاء العابرة التي نصنعها في امتداد الزمن.
ان من يتساءل متفكرا: ماذا لو كنت سأموت غدًا؟ لا يستطيع أن يختبئ خلف قناع الاكراهات، إنه مضطر للنظر إلى ذاته كما هي، بكل ضعفها وتناقضاتها. وحين يُدرك الإنسان قرب نهايته، يُجبر على طرح الأسئلة الصعبة: من أنا؟ ماذا حققت؟ هل عشت حياتي كما ينبغي؟ وربما في مواجهة هذه الأسئلة تبدأ رحلة المصالحة مع الذات.
هنا نتذكر فكرة الرواقية كما عبّر عنها ماركوس أوريليوس، الذي كتب في تأملاته: (لا يُطلب منك أن تعيش إلى الأبد، فقط أن تعيش كما ينبغي ما دمت حيا). وهكذا فإن التفكير في الموت لا يقصي الأمل، بل يمنحه شكلا آخر، أكثر هدوء وواقعية، وأكثر التصاقا بالحقيقة.
إن سؤال ماذا لو كنت سأموت غدا؟ لا يخص الذات وحدها، بل يعيدها إلى العالم، إلى الآخرين، إلى الأخلاق والسياسة والمشترك الإنساني. هو لحظة كشف، لا لحظة انهيار. ففي حضوره، نستعيد سر الوجود داخلنا؛ نستعيد الإنسان المتأمل والمتسائل والمقاوم.
إن الموت لا يُنهي الحياة، بل يُعرّيها من الزيف، ويمنحنا القدرة على أن نعيشها بصدق، وأن نواجه ظلم العالم بما تبقى لنا من وقت وإرادة وحرية وصوت تحت شعار: ألا وإن الدعي بن الدعي قد ركز بين اثنتين السلة أو الذلة وهيهات منا الذلة.
وفق حرية الرأي والنشر يتم نشر هذه المادة والجريدة غير مسؤولة عما ينشر فيها من مواد واخبار ومقالات
السيمر موقع عراقي مستقل